غيّب وجهك عني.. كيف غابت ثورتنا؟

أودعتِ الحياةُ في جنينِ الشآم الأمل المخبأ عن مقل الألم، مما جعل النور يضيء دواخله فتشرق بالعزيمة ثنايا روحه المعطاءة، سرى في دمائه ألق الكرامة وتمايز عن غيره بطهر دماء أمه التي باركها رسول الله عليه أفضل والتسليم وكفلها الله عز وجل من شر الناس أجمعين…

كبُر الجنين في أحشاء الشام حتى ضاقت عليه بما رحُبت، فاندفع للحياة، يرجو الأثر الذي لا يخبو، ولا يأفل، ولشدة حماسه نسي وصايا والدته الرؤوم، أخذ يحبو ثم يسير فيهرول ليركض قاصداً تحقيق الغاية… وفي ظل تشعب الغايات وتباين المسارات ضل طفل أمه السبيل، ما عاد يدرك من أثر أمه إلا صدى ضائع في متاهات الغياب يرجوه الإياب، فما لهذا وجد ولا لذلك ولد..

تلك هي أهداف ثورتنا التي ضاعت من ثورة الشام في لحظة تيه عن مقصد الشهداء، فانفرط عقد جُمع من الآهات والأنات، فما زينت الثورة المباركة جيدها فيه ولا حصدتْ حقول الشقاء التي زُرِعت بأكف النضال، لم تجنِ ثورتنا، أو بالتعبير الأصح لم تجنِ أيدينا إلا جانباً مظلماً للقمر، لم نحسن استمالة نوره ولا جذب ضوئه، لم ننل إلا ظلاماً حالكاً مدّ جنحه على أرواحنا.

هذه هي حريتنا التي زينتها لنا نفوسنا فألقينا أرواحنا إلى الجب ونسينا أن حرية دون مبدأ هي فوضى وضياع كساء سرعان ما يبلى ويعري صاحبه فيكشف سوءة غايته، حريتنا لا يمكن أن تكون بقتل مبادئنا وعقر أهداف ثورتنا

فغُيّبت القيم الثورية النبيلة وحل مكانها الجشع والطمع والدماء والتغلب وشريعة الغاب، متى ضاعت منا أهداف ثورتنا؟ واستبدلنا الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ التخبط والتشتت الذي حل على أفئدتنا هزّ مكانة الهدف المقدس والغاية النبيلة، فتقاذفتنا أمواج الضياع، ورمت بنا لشاطئ الأهواء، فنسينا وتناسينا أن الغاية لن نبلغها إلا إن وئدت المصالح الشخصية والمغانم الذاتية، لكن ما حصل أن الأرواح لم تنضج وأن الفكرة لم تكن إلا عبارة عن بذرة فسُهل دفنها في قاع الألباب ولهث كل مستغل متسلق وراء مكانة زائلة ودنيا فانية، وأُلقيت المغارم على قمرنا الذي لم يجد سبيلاً سوى إلقاء المزيد من الظلام..

في ظل هذا التيه الذي يبسط سيطرته على ساحة الشام، كانت الخطوات المتثاقلة تسير بوحشي بن حرب رضي الله عنه وأرضاه، إلى معقل رسول الله عليه أفضل والتسليم ليعلن إسلامه بعد أن عفا عنه حبيب الله، في تلك اللحظات القاسية مر أمام عيني وحشي رضي الله عنه و أرضاه كل ما اقترفته يداه، التكبر على دعوة الإسلام، والهروب من التفكير فيها ووصولاً للتخبط في ظلام العبودية ودفع أي شيء للحصول على الحرية المزيفة التي تعرت من أي مبدأ، الحرية التي ألقت به في هذه الهوة العميقة من التفكير الذي لا يطاق ولا ينتهي، ألقى نظرة سريعة على حربته التي ما زال يشتم فيها رائحة دماء حمزة، نعم، لقد قتل بحربته خير الناس، ووسم بقاتل حمزة ليوم الدين، أي حرية هذه؟، بل أي عبودية تلك؟ هذه هي حريتنا التي زينتها لنا نفوسنا فألقينا أرواحنا إلى الجب ونسينا أن حرية دون مبدأ هي فوضى وضياع كساء سرعان ما يبلى ويعري صاحبه فيكشف سوءة غايته، حريتنا لا يمكن أن تكون بقتل مبادئنا وعقر أهداف ثورتنا وضياع منهجنا الذي خط بدماء الشهداء.. فإن تكن حريتنا قد أضلت السبيل فلا بد من عودة..

 

وصل الصحابي الجليل وحشي رضي الله عنه وأرضاه لعند الحبيب عليه أفضل والتسليم فأعلن إسلامه، وصدح بالشهادة الخالدة (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله)، وتلا على رسول الله كيف قتل أسد الله ورسوله.. (غيّب وجهك عني) ويالها من حرابٍ دقت فؤاد وحشي رضي الله عنه وأرضاه، (غيب وجهك عني) كيف لثورتنا أن تعيد ألقها في النفوس بعد أن غابت واستبد الظلام في الأرواح وأمعن ضعاف النفوس بكسر ما تبقى من قيم..

لم يملك وحشي رضي الله عنه وأرضاه إلا السمع والطاعة لرسول الله، في حين كان الجميع ينعم بقرب رسول الله وحديثه ومجلسه وحتى أنفاسه، كان هو المُغيّب رضي الله عنه وأرضاه.. وفي معركة ثأر للفؤاد المكلوم بغيابه عن الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة والتسليم، أُُطلق الصحابي الجليل وحشي بن حرب حربةً كساها بقوة الإيمان ونضوج الغاية ووضوح السبيل فأصابت شر الناس مسيلمة الكذاب… آن لحربتنا أن تثأر لحرية قد ضاعت في دهاليز الضياع فما زالت الشآم تصدح لولدها ذاك هو السبيل، وتلك هي الغاية..



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة