أيّهما أهم للمجتمع.. الإنسان أم العلاقات الاجتماعية؟!

قبل البدء، يجب علينا أن نُدرك شكل ومضمون العلاقات التي تجمع الأفراد، وأهمية أطرافها وأدوارهم وما لهم وما عليهم، بعبارة أخرى يجب صياغة "عقد اجتماعي" عادل في بنوده، ومُناسب للجميع، لا يُميز بين الأفراد بحسب اختلافاتهم. الزواج أم الزوج، الأمومة أم الأم، الأبوة أم الأب، الحب أم الحبيب؟ نعم السؤال قد يبدو غريبًا، نحنُ عادةً لا نرى أي علاقة بلا أحد أطرافها، وأعتدنا أيضًا أن نرى أيّ إنسان بناءً على شبكة علاقاتهُ بالمكان الذي بعيش فيه، وكأنها تلك العلاقات هي حقيقته الوحيدة!

الإنسان الضعيف الخارق، وبكل التناقضات التي يحملها والأحلام والطموحات والمشاعر والدموع والضحكات.. الإنسان المُجرد من كل شيء، إلا من إنسانيته، وهو بلا مُبالغة غير مرئي بالنسبة للمجتمع الذي يعيش فيه، فالمهم هي العلاقات التي تربط أفراد المجتمع ببعضهم. المُهم تلك القوالب الاجتماعية الجاهزة، التي حُددت مُسبقًا، وفُرضت بلا تفسير وإيضاح وتبرير! تلك العلاقات الاجتماعية التي يقوم عليها البناء المُجتمعي، وبالرغم من أن المجتمع يحتوي الكثير من الأشخاص المُختلفين بطبيعة الحال، إلا أنه يمتلك وعيًا خاصًا به، وعي المجتمع للأسف الشديد بدائيّ، هو ببساطة وعي الكائن المرعوب من فرضية زواله، وهو لا يُريد سوى ضمان استمراره.

قد يصبح الإنسان ضحية للعلاقات، التي تقوم بخنقه، وتعذيبه على مهل، وتقوم بمسخه وتحوّله لكائن حزين ومشوّه وجريح

وعي "بدائيّ" بمعنى أنه غالبًا لا يتطور أو يتغيّر بحسب متطلبات ومُستجدات الزمان، وعي يرتبط بفكرة الاستمرار والبقاء أولًا وأخيرًا. تلك الحاجة إلى الاستمرار والبقاء وليس بالضرورة التطور والتغيير للأفضل، ولّدت لدى الإنسان حاجات مُلحة لضمان سير العملية، أوجد القواعد والقوانين الاجتماعية التي يتم إخضاع كل أفراد المجتمع إليها.. وحكمت الأفراد بديكتاتورية قمعية، لا تسمح للأصوات المُعارضة بالظهور وإبداء رأيها أو احتجاجها.. ذلك القمع الاجتماعي يُؤدي للتمرد والثورة، كرد فعل طبيعي وبالتالي قد تحدث الفوضى الناجمة عن تعنت السُلطة واستبدادها.

ينتج عن ذلك خراب ودمار "اجتماعي" كان من المُمكن تفاديه ومنع حدوثه، من خلال الحوار الواعي وتقبّل الاختلاف والتصالح معه، والاعتراف بوجوب موائمة القديم مع الجديد للوصول إلى مستقبل مُزدهر. "ينامو" القوة العنيفة للمجتمعات، هو "الرغبة الغريزية في البقاء"، تلك القوة المُسلطة على الأفراد الذين يُحاولون الخروج عن أي قاعدة اجتماعية، سواء في الفكر أو التوجه الديني أو الانتماء الحزبي والزواج وغير ذلك.

غاية الشرائع والقوانين هي الإنسان، والأديان كلها جاءت لحفظ كرامة وحق الإنسان بالحياة، نعم الإنسان هو الغاية، ولكن نظريًا، في العالم المثالي ولن أفترض بأنه خيالي.. ففي الواقع، وفي مكان رمادي أرى بأن العلاقات أهم من الإنسان، أهم من أحلامه وتطلعاته وسعادته بل وحتى إنسانيته! قد يصبح الإنسان ضحية للعلاقات، التي تقوم بخنقه، وتعذيبه على مهل، وتقوم بمسخه وتحوّله لكائن حزين ومشوّه وجريح، بالمقابل يُقاتل المُجتمع – إن صحت العبارة – بكل أسلحته للحفاظ على تلك العلاقات ولو كان ذلك على حساب الإنسان. المجتمع غالبًا لا يستوعب المرأة التي تدّعي بأنها ليست جاهزة لإنجاب طفل، ومن الممكن عدم رغبتها إطلاقًا في ذلك!

كذلك لا يتفهمّ الرجل الذي لا يُريد الزواج وهو مُرتاح في عزوبيته، لا يقبل تجاوز الفتاة لعمر حدده مُسبقًا قبل أن تتزوج وترتدي فستان زفافها! ولا يغفر لامرأة تُطالب بطلاقها من زوجها، إذا لم يكن هذا الزوج "مُنحرف أخلاقيًا" بحسب معايير المجتمع، لا يُمكن للمجتمع التعاطف مع من بدّل آرائه وتوجهاته، ولا أولئك الذين لا ينتمون لأحزاب وجماعات وانتماءات ضيّقة!

ما الذي يهم المجتمع إذن؟ هل سعادة الأفراد وحقهم في الحياة والحُرية مُتجانسين مع أنفسهم، ومع الكيفية التي يرغبون بعيش حياتهم بها؟، في الحقيقة المجتمع في أغلب الأحوال يُمعن في تدجين الأفراد وتلقينهم كل شيء، وتفريخ المزيد والمزيد من أولئك الجاهزين للتدجين والقوّلبة بحسب قوالب المجتمع الجاهزة، المُهم هو الاستمرارية في بناء ذات النموذج المُزيف، كنموذج قياسيّ، كـ "Free Size" يُناسب الجميع بدون استثناء. وفي الحقيقة ذلك النموذج لا يُناسب سوى تلك المسوخ الذين خسروا إنسانيتهم وتميّزهم الفردي، مُقابل مجموعة "مُتفق عليها" من علاقات اجتماعية.



حول هذه القصة

أعلن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو قطع العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة، واتهمها بالتدبير لانقلاب ضده إثر إعلان زعيم المعارضة خوان غوايدو نفسه رئيسا مؤقتا واعتراف واشنطن ومنظمة الدول الأميركية به.

23/1/2019
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة