أن تكون صوماليا في أيامنا.. الذاكرة والذات

تحدثنا في الجزء السابق عن الوطن والهجرة والهوية، في هذا المقال سنفصل علاقة الذاكرة بالهجرة ومشكلة الاندماج، وكذلك سنتحدث عن الذات وعلاقتها بالمكان.
  

الاندماج ومشكلة الذاكرة
أن تكون مُهاجراً هي حالة غير طبيعية، وذلك بسبب وجود فكرة الوطن، أما إذا غابت فكرة الوطن فأنت لست مُهاجراً، بل انتقلت من مكان إلى مكان، لكن الانسان بطبيعته يصنع معايير وقيماً تحدد له ما ينبغي الشعور به، وبالتالي فإنه يصنع حداً فاصلاً بينه وبين الآخرين، حتى يحافظ كيانه.

 
إننا عندما نُهاجر ونذهب بعيداً عن أوطاننا فنحن نعتقد أننا نُفارق جزء من كياننا ومن تاريخنا وذكرياتنا، ونحاول أن نُشكّل هويتنا، وهذا هو ما يجذبنا إلى أوطاننا وتجعل مكوثنا في الغربة مجرد لحظات عابرة ونظل ننتظر لحظة العودة. ويمكننا أن نقول أن هذه الحالة كثيرة عند المهاجرين الأوائل فقط، لكنها تقل وطأتها عند الأجيال المولودة في الغربة، هؤلاء لا يهتمون بهذه الذكريات عموماً، لأنهم لا يحملون شوقاً ولا يربطهم مع الوطن أي نوع من الذكريات، غير المرويات والقصص.
 

لماذا نحن صوماليون سؤال وجودي ومصيري في آن واحد، فالسؤال عن الوجود الانساني بالمستوى الفلسفي هو السؤال عن طبيعتنا نحن كبشر وعلاقتنا بالزمان والمكان.

إن مشكلة الاندماج هي مشكلة الذاكرة في الدرجة الأولى، لأن انصياع الإنسان للذكريات تجعله يرفض الاندماج ويظل يشعر بالاغتراب، وتُسيطر عليه فكرة الرجوع للوطن وعدم الخضوع مع الوطن الجديد. ومن المعروف أن فكرة الذاكرة كانت مُشكلة فلسفية ولا زالت، فبعض الفلاسفة يعتبرون الذاكرة فعل واع، وتحدث عند التعرض لحدث يستوجب استدعاء الأفعال الماضية المُحزنة في الدماغ. لذلك فإن الماضي لا يُحفظ بل إننا نَبنيه انطلاقاً من الحاضر على أساس المرتكزات الاجتماعية للتذكر. أما أرسطو فإنه يعتقد أن الذاكرة جزء من الإدراك الحسي وبالتالي فالذاكرة تعتبر جزء من الزمن، ويستخلص أرسطو أن الذاكرة تعتمد في نشاطها على المبدأ الحسي، وفي حال الأفكار المُجرّدة فإن الذاكرة لا تحتفظ بها إلا من خلال ربطها بصور حسية.

لماذا نحن صوماليون؟
هذا السؤال يُشبه نوعياً سؤال لماذا أنا هو أنا؟ أو بمعنى آخر لماذا أصبحت أنا؟ وأظن أن هذا السؤال يَهُم جيلي أكثر من أي جيل آخر في الصومال. وسؤال لماذا نحن صوماليون؟ هو سؤال عن الذات وعلاقتها بالمكان. فالذات هي المظهر الشخصي التي ينطوي على إدراك الشخص لذاته، أي الصورة التي يراها الفرد عن نفسه نتيجة لتجاربه مع الآخرين والطريقة التي يتعاملون بها معه. بما لها من دلالة والانطباع الذي يُكوّنه عن نظرتهم إليه، وتنمو الذات خلال عملية التنشئة والتفاعل الاجتماعي. 

كما هو واضح فإن ذاتنا تشكلت في واقعنا الصومالي حيث أخذنا تجاربنا الاجتماعية من خلال العلاقات والتفاعل مع محيطنا الاجتماعي. فالإجابة عن سؤال من أنت تُحدد وفق تجربة الذات المتفاعلة مع المحيط الاجتماعي، فإن الإجابة كذلك عن لماذا؟ تُعيدنا إلى المحيط الاجتماعي الذي شكل ذاتنا. نحن صوماليون بسبب أننا وجدنا ذواتنا في بقعة جغرافية تُعرف باسم الصومال ومنها أخذنا هويتنا الاجتماعية مثل انتماء لقبيلة معينه ووسط بيئة اجتماعية تضامنية شكلتها العشيرة حتى تحافظ كيانها وتوفر الخدمة لأبنائها.

وكذلك فإن رؤيتنا لأنفسنا جاءت من خلال هذه التفاعلات، فنحن نرى أنفسنا وفق الترتيبات المسبقة التي شكلها المجتمع ويعرف بالتنشئة الاجتماعية، فهنا نرى أنفسنا بأننا وفق هذه المعادلة: (صومالي القومية، العشيرة، الاسلام). فهذه المعادلة تشمل صورتنا عن الذات وهذا الصورة لا تأخذ طابعاً إلا من خلال إعادة هيكلة هذه المعادلة. وهذا يتطلب إعادة هيكلة الوعي عن الذات حيث نُفرّق بين ذاتنا المتشكلة وفق المتغيرات الاجتماعية التي تُحدد لنا صورتنا عن الذات وبين كياننا الوجودي أي ماهيتنا كانسان يتجاوز الذوات الاجتماعية والثقافية. فهذا التصور الأخير يسمح لنا إعادة النظر في الذات التي شكلها المجتمع، ويمكن من خلال هذا النوع من التفلسف اكتساب ذاتنا المختطفة من قبل المجتمع، وبالتالي يمكننا أن نعيد تعريف أنفسنا من جديد.

لماذا نحن صوماليون سؤال وجودي ومصيري في آن واحد، فالسؤال عن الوجود الانساني بالمستوى الفلسفي هو السؤال عن طبيعتنا نحن كبشر وعلاقتنا بالزمان والمكان. فالوعي عن الزمان هو الشعور بالذات، والوعي بالمكان هو الانتقال من الممارسة، أي علاقتنا بالأرض مثلاً. فالوعي بالمكان هو الذي يجعلنا صوماليون ولذلك صوماليتنا هو وعينا المتشكل من الذات والمكان. انتماءنا للمكان نتيجة محاولتنا الحثيثة للبقاء والشعور بالأمن وهي نزعة بيولوجية، فكما كان الانسان الأول يبحث عن الملاذ الآمن والرزق فإن الانسان الحديث صنع الأوطان لأجل الشعور بالأمن.

من خلال هذا الشعور أنتج الانسان مفاهيم مُتعلقة بالأرض مادياً ومعنوياً وارتبط الانسان بهذه الأرض لعدة قرون وسيظل مرتبطاً بها. فالصومال هي نحن، لأن الأرض لا معنى لها بدون قيمة الانسان، فنحن من نصنع الصومال وليس العكس، لهذا يُمكننا أن نصنع صوماليتنا من جديد. أن تكون صومالياً ليست غريبة ولا يجب أن تكون، فأنت مثل أي مواطن يقطن هذه الأرض لك حقوق كأي انسان، فقبل أن تكون صومالياً فأنت انسان ينتمي إلى هذا الكوكب. ما تعرضت لها الصومال من حروب ومجاعات وكوارث انسانية فهي أيضا نتيجة طبيعية لأخطاء البشر ويمكنك أن تتقدم مثل سائر الأمم.

علينا أن نهتم بالعلم والثقافة لأجل خلق جيل صومالي جديد، لهذا علينا أن نهتم بالعلوم الطبيعية والاجتماعية والانسانية على حد سواء

كما نعرف أن الانسان الصومالي بات مُنزعجاً من نظرة الآخرين تجاهه وتجاه قضاياه وكذلك بات مُنزعجاً من التدخلات الأجنبية وفشل الساسة والزعماء وبات أيضاً مُنزعجاً من التطرف الديني والحروب الأهلية والكوارث الطبيعية. هذا النوع من الشعور بالانزعاج على هذه المظاهر هي بذاتها خطوة ايجابية نحو التقدم، فعلينا في الأول أن نرفض كل المظاهر اللاعقلانية التي ورثناها من الأجيال السابقة، فهذه هي الخطوة الأولى لإعادة تشكيل صوماليتنا من جديد. وهنا سأسرد عدة خطوات اعتبرها مُهمة في سياق تجديد معنى أن نكون صوماليون في هذه الأيام.

الانتماء للإنسانية: أن تكون صومالياً معناها أنت إنسان في الدرجة الأولى، ولهذا يجب أن نهتم بالقضايا التي تهم الانسان ونقف مواقف انسانية ترفض الاضطهاد والظلم والاستبداد والتعسف بكل أنواعه، فهذا الانتماء للإنسانية تجعلك تنظر الانتماءات التدميرية وأقصد بها الانتماءات العنصرية التي تُفرّق البشر بشكل تعسفي، نظرة دونية.

المواطن قبل الوطن: أن يكون الانسان في مقدمة مشروعنا، يعني أن نهتم المواطن أكثر، فالوطن لا قيمة له بدون مواطن يشعر بالكرامة، جميعنا يعرف ما آلات إليه الوطنية الزائفة من دمار وخراب. 

التعليم والثقافة: علينا أن نهتم بالعلم والثقافة لأجل خلق جيل صومالي جديد، لهذا علينا أن نهتم بالعلوم الطبيعية والاجتماعية والانسانية على حد سواء، وبالأخص هذه الفترة نحن في أمسّ الحاجة للعلوم الاجتماعية والانسانية مثل الأدب والترجمة وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والاقتصاد والسياسة والتاريخ، وكذلك لا يجب أن نفرض بلغتنا الصومالية مهما فرضت علينا العولمة استخدام اللغات الأجنبية.

السياسة والدولة: نحن نُعاني فشلاً في مستوى الدولة وأهم سبب هو ما يعرف ب "موت السياسة" وأقصد بها تلك المرحلة التي تفقد سياسة بُعدَها الانساني، فالسياسة تخدم مصالح الانسان، أي مصلحة الحياة والحرية ومن خلالها تضع الدولة قوانين وسياسات تخدم رفاهية المواطنين. السياسة هنا أصبحت عكس ذلك، فهي لا تخدم المواطنين بل أصبحت عِبئاً عليهم، وتخدم مصالح طبقات وتخمة من الساسة والتجار. فعلينا أن نضع السياسة في موضعها الصحيح وهي خدمة المواطنين.

الاسلام: كما قُلنا في فقرة الهوية أنها تتكون من ثلاثة نقاط وهي: القومية والإسلام والعشيرة، فالإسلام جزء من الصومال لا يتجزأ منها. وتاريخ الإسلام في الصومال تاريخ عريق وثري سياسياً ومعرفياً، وذلك من سلطناته الإسلامية إلى المؤلفات العريقة التي ألفها علماء صوماليون، الذين أخذوا على عاتقهم مسؤولية تثقيف المجتمع وتنويرهم.

للأسف لم نتمكن الاستفادة من تُراثنا الديني بسبب الحكم العسكري الشيوعي من جهة، وبسبب الصحوة الإسلامية التي لم تنجح في خَلق جِسراً بين الإسلام والقومية الصومالية من جهة أخرى كما فعلها من قبل علماء الطرق الصوفية. لذلك تطور التطرف الديني إلى شكل أكثر دموي وتدميري وانتشرت ظاهرة التكفير بصورة مخيفة. ولذلك علينا أن نُعيد خَلق جِسراَ بين الإسلام والقومية الصومالية لأجل تدين سلمي وسليم.

العشيرة والمجتمع الحديث: علينا أن نسعى إلى أن تكون الصومال دولة حديثه ومجتمع حديث، مما يعني التجاوز الكامل لثقافة العشيرة، وهذا لا يعني إنكار الذات بل هي تطوير الذات. العشيرة مسالة ثقافية اجتماعية ولهذا عليها أن تكون في دائرة الاجتماع فقط وليس أن يكون لها تأثير في المجال العام. وكذلك التركيز على المشاريع التحديثية مثل الاقتصاد والتكنولوجيا السياسة والعلاقات الاجتماعية.



حول هذه القصة

ارتفع إلى 15 عدد القتلى الذين سقطوا بهجوم نفذه مسلحون واستهدف مجمعا يضم فندقا وعددا من المكاتب الإدارية في العاصمة الكينية نيروبي أمس، وقد تبنته حركة الشباب المجاهدين الصومالية.

16/1/2019

أفادت وزارة الدفاع القطرية بأن قطر منحت 68 سيارة مدرعة للصومال اليوم الخميس، وذلك دعما من الدوحة لمقديشو من أجل استقرار مؤسسات الدولة ومواجهة الجماعات المسلحة.

17/1/2019
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة