رحلتي في المواصلات

blogs - transportaion

أذكر جيداً عندما كنتُ طفلاً مدللاً لا أشعر أنه مر وقت طويل على هذه الفترة، أنا اليوم في 26 من عمري أعزب لا أملك سيارة ولا منزل، أعيش مع أهلي وهو ليس بالأمر الُمستغرب في الوطن العربي كما الغرب. اعمل في مجال تخصصي الإعلام منذ تخرجي، وحتى الآن لم أشعر أنني أعيش حُلمي أو حتى أملك رفاهية الاستقرار المادي أو العملي أو بما يمكن تسميته أرضية ثابته. لا أنكر أن ما فيه أنا الآن نتيجة خياراتي غالباً ولكن الخيارات عندما تكون محدودة محاصرة هل يبقى اسمها خيارات؟

وعندنا تكون لا تملك سيارة في فلسطين فذلك يعني أن ترتبط بنظام نقل تعيس، فأنت مُجبر على تعاطي مع الناس صباحاً حتى في أسوء صبحاتك. ذلك الصباح الشتوي البارد رمادي السماء كئيب الأجواء، وإذا اتت جلستك بالكرسي بجانب السائق، هنا عليك أن تستمع لبطولات السائق ومهاراته في القيادة وتجنبه للحوادث، أو أن تستمع إلى مشاكله العائلية وزوجته النكدية ومتطلباته المنزلية غير متناهية، وغلاء المعيشة والأولاد ومشاكلهم وثم يختم حديثه في جملة لا تتزوج.. من المؤكد أن محاولاتك في وضع سماعات الأذنين أو الانشغال في مواقع التواصل لن تُنجدك من حديثه فهو سوف يستمر فيه حتى تصل إلى وجهتك.

وهناك الشخص الذي لم تقابله منذ زمن وهنا يُريد تلخيص كل مراحل حياته البطولية مُتباهياً بما حققه من إنجازات عليك، وأنت آخر همك ماذا حقق أو لم يحقق. ثم ما أن يختم مرحلة التباهي إلا وهي وابل من الأسئلة الشخصية تنهال عليك من كل حدب وصوب، لتشعر للحظة أنك ديناصور انهالت السماء عليه بالنيازك عشية الانقراض العظيم (لا أعرف صدق هذه النظرية أو لا ولكن هذا احساسي في ذلك الوقت)، ليختم مع جملة متى سوف نفرح فيك، ويجيب عقلي: أتعلم يا هذا حتى عندما أفرح لن تكون موجوداً لتُشاركني هذه الفرحة فعلاقتنا أقل ما يُقال عنها سطحية ضحلة.

ولكن رحلة العذاب لها أوجه متعددة فهي تمتد إلى نوع ما يشغله السائق على المذياع أو المسجل، فمن هذه الناحية هم أنواع والأخطر منهم من يُشغل عذاب القبر في الصباح

وقد تكون جلستك بجوار أم مع ابنها الصغير الذي لا يملك أي تقدير لمساحتك الشخصية، فتتفاجأ بقدمه على ملابسك أو به يتأرجح فوقك دون أن تأبه الأم بتصرفاته قليلة التهذيب أو بالبكاء المستمر المشابه في إزعاجه أحد أساليب التعذيب الصينية القديمة بلا رحمة أو هوان. ثم من الوارد جداً أن تتحول لمساعد سائق وتلم الأجرة (عن واحد من الخلف، أو هي باقي 50) كم هي مُزعجة تلك الحركة عندما يتم نكزك بالعملات الحديدة بكتفك وأنت سارح في ملكوت الله، ويا سوء حظك إن أرادت فتاة خجولة دفع الأجرة لك لتكون حلقة الوصل بينها وبين السائق، فهي سترمي العملة النقدية في يدك من بعد مع حذر كبير أن تلامس يدك يدها لا سمح الله.. وهنا تبدأ رحلة البحث عن الأجرة بين الكراسي وتحت من يجلس بجانك ووجهك يحمر خجلاً لأنك أضعت الأُجرة مع العلم أنك لست المخطئ.

وهناك الشخص الفضول الذي يتبع رحلتك في مواقع التواصل الاجتماعية الخاصة بك بدقة واهتمام، أكبر من اهتمامك أنت حتى، فأنت تتصفح المواقع مللاً وهرباً من الأحاديث الدائرة في المركبة حولك. أذكر جيداً موقفاً حدث معي يوماً أنني كنت أتحدث مع أحدهم بغضب على تطبيق الدردشة في فيسبوك (المسنجر) وإذا بأحدهم يقول لي (روق وصلي على النبي ما في اشي مستاهل) وقتها نظرت به مستغرباً متعجباً واجبته (صلي على النبي أنت وخليك بحالك) وفعلاً ما دخلك أنت بي أو بمشاكلي وعلاقاتي ونحن لا نعرف أسماء بعضنا حتى.

وأما إن خرجت من منزلك وأمك غاضبة منك وكانت جلستك بين فتاتين يعرفا بعض، هنا يُصبح جل ما تتمناه أن تشق الأرض وتبلعك. ويا ويلك آلاف مرة إن كانت إحداهن قد تمت خطوبتها حديثاً فيبدأ مشوار من الاستعراض بالفارس المغوار الخطيب المنتظر والهدايا والمشاوير والذهب ودبلة الخطوبة.. وعرض لا ينتهي من صور الخطوبة أو أي مناسبة تم التقاط فيها كل صورة (ختيبي هيك وختيبي هيك عمل وختيبي هيك بحب)، وهنا هل تقف الأخرى متفرجة من المؤكد لا لا مستحيل فتبدأ بدورها بالتباهي بأي شيء ملابسها غالية الثمن هاتفها (شوفي بابا حبيبي شو جابلي) وأنا في منتصف المعركة أشابه مثلاً شعبياً (كالأطرش في الزفة).

وهناك من الركاب لا يتدخل في أحد ولكن حديثه بنبرة عالية في الهاتف يكون مُزعجاً جداً يُعكر مزاجك بشكل كبير صراخه الدائم على شك راجع أو غيرها من الأمور الخاصة التي يجب إلا نعرفها عن حياته. وأما إذا كان من يتحدث بالهاتف شاب يُريد أن يتباهى أنه زير نساء وهنا تكون المحادثة ساخنة مُقرفة لأقصى درجة، وتكون أنت دائم الدعاء أن ينفذ رصيده منه لتنتهي هذه الكلمات البذيئة التي تهز طبلة أذنك. أما الحجة (الله يعطيها الصحة والقوة) التي تتسوق نصف السوق وترفض أن تضع مُشترياتها في صندوق السيارة خوفاً أن تختلط مع مُشتريات غيرها، مع حظك جميل تكون بجانك فتجد نفسك غارقاً في بحر لا متناهي من الأكياس، وإذا كان منزلك قبل منزلها فهنا أنت مجبر على تجربة قفز الحواجز متجنباً هذه الأكياس.

هذا نموذج لبعض الأشخاص المزعجين الذي نقابلهم في نظام النقل عام (السرفيس)، ولكن رحلة العذاب لها أوجه متعددة فهي تمتد إلى نوع ما يشغله السائق على المذياع أو المسجل، فمن هذه الناحية هم أنواع والأخطر منهم من يُشغل عذاب القبر في الصباح، وأنت مُرغم أن تسمع أهوال القبر ويوم القيامة بنبرة صوت مرعبة. ويا تعاسة حظك ويرن هاتفك في ذلك الوقت وتكون زميلتك أو صديقتك على الهاتف احذر احذر أن تجيب، لأن كل من في المركبة والسائق على وجه الخصوص سوف يمرقك بتلك النظرة التي تشير لك أنك أنت المقصود مما يذاع يا زنديق.

والنوع الآخر هو نوع مُزعج وإذا ركبت معه في الصباح أو المساء يكون المسجل يبث نوع من أنواع الموسيقى الصاخبة (الزمر، الدحية.. إلخ) وكأنك في حفلة وما أن يُفرج الله وتصل إلى وجهتك يكون تولد صداع لا يُطاق في رأسك وطنين لا يُفارق أذنك لفترة بعد ذلك. هذه هي رحلتي اليومية في نظام المواصلات العام التي تتضمن كل يوم نوع مختلف من المعاناة والازعاج، ولكني بنفس الوقت لا أعلم إذا ما كنت أنا بطباعي الهادئة وغير مبالية أحد الشخصيات المُزعجة التي يَكتب عنها غيري، فما هي الأشياء التي تزعجك أثناء تنقلك بنظام النقل العام؟