الهُوية الإيمانية.. وتحدّيات الواقع!

blogs - faith

لما تقاربت الثقافات وتلاحقت المبادئ والقيم وصار العالم كله عبارة عن قرية صغيرة، عرف شعاع السمات الثقافية للشعوب العربية والإسلامية أفولا لم يسبق له أن عرفه في غابر الأزمان. شأنه شأن الِسمات الثقافية لكل الشعوب المُستضعفة التي تطغى عليها ثقافة الطبقات المهيمنة، لدرجة يصعب على فرد منها – وسط هذا الوضع العولمي الفاتن – أن يحدد بوصلته تحديداً صحيحاً خالياً من شوائب التنطُّع والتميُّع، وخير دليل على هذا واقعنا الإسلامي الذي يشهد انسلاخ بعض أفراده عن هويتهم الدينية والوطنية وجمود آخرين على تقاليد الآباء والأجداد يأبون إلا أن يعيشوا خارج مقتضيات عصرهم.

معلوم أن مختلف الحقول الثقافية لأي مجتمع من طبيعتها أن تسير في تفاعل دائم مع ثقافات البلدان الأخرى، فهي تؤثر فيها وتتأثر بها إيجاباً وسلباً حسب طبيعة وقوة الثقافات، مما يقتضي تطورها وتغيُّرها من زمن لآخر ومن فترة لأخرى. بيد أنني هنا أود التنبيه إلى حقل ثقافي مهم، طبيعته تأبى السير على وفق هذه السيرورة الثقافية المعهودة، لأنه يستلزم الرسوخ في النفس الإنسانية ولا ينفك عنها تحت أي ضغط من الضغطات. إن كان يقبل التجديد بمعنى إعادة الجودة له من بعد أن يذبل تحت وطأة العادات من جهة، وسطوة العولمة من جهة أخرى.. إنه حقل الثقافة الإيمانية.

فَلِكَي يحظى هذا الحقل بصيانة تضمن استمراريته في كامل قواه، لا بد للمؤمن من تحصين فكري محكم، خصوصاً لمن دأبه الانفتاح على مختلف التيارات الفكرية، حتى يتمكن من درء كل الشبهات التي يمكن أن تؤثر سلباً على إيمانه، لأنه في اعتقادي من الصعوبة بمكان أن تصمد عقلية مؤمنة في مثل هذه الأوضاع المتعددة المشارب والمختلفة الرؤى والمآخذ دون هذا التحصين. غالبا ما تختل في غِيابه الموازين ويختلط الدين بالخرافة في جانبه العقدي، وبالعادة في جانبه التشريعي، كما يحصل الغلوّ إما نحو الطرف الأيمن الذي يُلزِم نفسه بما لم يُلزَم به ويمنع نفسه مما لم يُمنع منه.. أو نحو الطرف الأيسر الذي يُعرِض عن تعاليم الله وأحكامه جملةً وتفصيلاً.

التحدي الحقيقي الذي يواجه البشرية على مر العصور والأزمان إنما يكمن في فهم الدين وليس في الدين نفسه

وللأسف فإن الصبغة الطاغية على غالب من ينادي بالانفتاح على الآخر في عالمنا الإسلامي اليوم هي الانغلاق على الذات بحيث لا يكاد يعرف شيئاً عنها. كما أن المنفتحين على الذات غالباً ما نجدهم منغلقين على الآخر، بالكاد يعترفون به فضلاً عن أن يعرفوا عنه، حتى المناهج التعليمية نفسها نجدها قد نحت هذا النحو؛ حيث هناك مناهج قد أفسحت المجال لتناول مختلف الفلسفات الإنسانية بدون تحصين علمي ولا إيماني لطلابها، فأنتجت أطرا يحملون أفكاراً مشوهة لا تُلائم طباعهم ولا خلفياتهم العقدية والدينية والثقافية.

السبب وراء ذلك أنهم لم يدرسوا هذه الفلسفات بهدف تحصيل ملكة التفكير السديد لحل مشكلاتهم ومشكلات مجتمعاتهم على وفق مقتضيات فكرهم الخاص كما هو الهدف الأساس من دراسة الفلسفة، وإنما درسوها لتبني آراء الفلاسفة وأطروحاتهم التي انبهروا بها وراحوا يقلدونها في كل صغيرة وكبيرة. في حين أن هناك مناهج أخرى قد ألغت نهائياً تدريس الفلسفة من برنامجها الدراسي لسنين عددا ومنعت الانفتاح على فكر الآخر بدعوى حفاظها على هذا الحقل الإيماني، وبقيت عاكفة فقط على تراثها حالة كونها لا تُفرّق فيه بين ما هو مقدس وما هو مُدنّس، بين ما هو ديني وما هو اجتماعي، فأعطت صبغة كل الطرفين للآخر، فسقطت في ذهول تام عن السنن الكونية والسيرورة التاريخية فظلت حبيسة الماضي!

إني لا أنسى تلك الردود الفعلية المضطربة لغالب زملاء الدراسة حينما كان الأستاذ يعرض بعض المواقف الفلسفية تجاه الدين، فمرة تطرق لنظرية اجتماعية حول نشأة الدين وتطوره كان يرى صاحبها أن السبب الأساس في ظهور الدين هو ضعف الإنسان أمام قوى الطبيعة بدليل أن الناس يلجؤون لعبادة هذه القوى الطبيعية في بعض المناطق. وبعدما قوي هذا الإنسان واكتشف قوانين الطبيعة وصار يتحكم فيها ويُسخرها لخدمة مصالحه لم تبق أي حاجة إلى الدين، كما أنني كنت ألمس اضطرابهم أيضاً حينما كنا نلفي غالب المواقف الفلسفية نحو الدين تصب في أن هذا الأخير يُصنّف ضمن الأساطير والعادات المناقضة للعلم والحكمة.

الفكر اليوناني مثلاً باعتباره منشأ التفكير الفلسفي كما هو شائع يَعتبر أن الدين من مكونات التفكير الميثولوجي الأسطوري، لذلك قد عدل عنه إلى منهج التفكير العقلاني الذي يروم حياة طيبة للإنسان بعيداً عن معطيات الدين والإيمان. كما أن الحضارة الغربية المعاصرة قد نشأت في تصادم تام مع الدين الذي كانت تمثله الكنيسة آنذاك، وظل الصراع قائماً بين العقل العلمي والدين الكنسي إلى أن تم إقصاء هذا الأخير بعد أن هزم شر هزيمة ولم يعد له أدنى حضور في الحياة الاجتماعية.. إذا كان لمثل هذه المواقف تأثير سلبي على العقلية المؤمنة فإن الحصن المانع من هذا التأثير هو التحصين المعرفي والتثقيف الإيماني؛ ذلك أنه بادئ ذي بدء سيحملك على التأمل في طبيعة الدين الذي كان سائداً في المجتمعات التي ينتمي إليها هؤلاء الفلاسفة.

كما أنه سيبدو لك أنه عبارة عن فهوم خاطئة للدين أنتجت ردود أفعال مساوية لها في القوة ومضادة لها في الاتجاه، وستُدرك أن المشكلة ليست هنا وإنما تتجلى في إسقاط هذا النموذج التصادمي الذي تمثله الحضارتان اليونانية والغربية في علاقتهما بدينهما على باقي الحضارات الأخرى في علاقتها بدينها، بما فيها الذي اتخذ شكلاً محايداً كالحضارة اليابانية أو اتخذ شكلاً توافقيّا كالحضارة الإسلامية. وستخلص في النهاية إلى أن التحدي الحقيقي الذي يواجه البشرية على مر العصور والأزمان إنما يكمن في فهم الدين وليس في الدين نفسه، إذ هذا الأخير ما هو إلا رسالة أزلية سامية من الخالق سبحانه، مفادها: "إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي".