أزمة غاز أم أزمة ضمير؟!

blogs سوريا

تصدرت أزمة الغاز، المشهد في مناطق سيطرة النظام في سوريّا، بصور توثّق طوابير وأرتال لسكان تلك المناطق، في انتظار حصّتهم من الغاز، في أحوال أقل ما يمكن وصفها بالمهينة والمأساوية في الوقت ذاته، أمام بؤس الموقف.

 

يأتي ذلك وسط أزمة خانقة أخرجت كثيرين من سكان المجتمع الموالي للنظام عن صمتهم، مطالبين حكومة النظام والمسؤولين، بالتحرك في سبيل حلّ هذه الأزمة، التي حولوها لمفصليّة في حياتهم، وكأنّ البلاد حديثة عهد في عيشها بهذا النوع من الأزمات، وكأّنها ليست سوريا البلد الدامي بفعل حرب شنها نظام بشار الأسد على شعبه، أهلكت الحرث والنسل، ولم تبق ولم تذر، البلد المتهالك اقتصادياً، والمتقاسم ثرواته من "محتلين" يسميهم النظام "حلفاء وأصدقاء"، إنّما في الجريمة فقط، ناسين أو مُتناسين كل هذه الحقائق المخزية، لدرجة أنهم لم يرفعوا سقف وجهة مطالبهم عن مستوى محافظ أو مسؤول عادي، وفي أشد المواقف لرئيس حكومة.

 

مناشدات من الوسط الفنيّ..

فجأة ظهرت مناشداتٍ لفنانين من الوسط الدرامي السوريّ، يحظون بجماهيريّة شعبيّة، بعد صمت مليّ، طيلة سنين الثورة السوريةّ والحرب الشعواء على الشعب السوريّ، وارتكاب أفظع المجازر بحقّ السوريّين، مع تباين أشكال الموت عليهم، في أحداث ضروس فتكت في عيشهم، وسط ظروف موحشة من قصف وحصار، وغرق وآخرها قصفٍ تطوّر في فحشه إلى "الكيماوي" في منطقة لا تبعد سوى كيلومترات قليلة عن منازل "الفنانين" ذاتهم، وربما أصاب أقاربهم أو ذويهم في تلك المناطق.

 

مع تردي ظروف المعيشة يختلق نظام الأسد فجأة تفجيرات ضمن مناطق من الصعب اختراقها أمنيّاً إلا من قبل جهاز مخابراته، في رسالة واضحة مفادها أنّ عدم الرضا بواقع العيش، يسلبكم نعمة الأمان

تجاوز هؤلاء الفنانين كل هذا وتعامَوا عنه، وناشدوا رأس النظام من أجل ماذا؟! من أجل جرار غاز!! ولم تحرّك دماء السوريين فيهم ساكناً، نائين بأنفسهم عن أيّ موقف سياسيّ يعكّر صفو "أتكيت الفنّان" المقولب، على طاعة الاستبداد، وبعضهم حين كسر الإتكيت، كان لإعلان عدائه للشعب السوريّ وتطلعاته، دون تسجيل أي موقف أخلاقي يدين القتل أياً كان، يقف من خلاله إلى جانب الضحيّة السوريّة، التي لا خلاف على مظلوميّتها، لا بل أصروا على تتفيه عظمة الجريمة، بنظرية المؤامرة والتصدي للعدوان الداخليّ، وضرورة الوقوف مع "القيادة".

 

لكن يبدو أن جرار الغاز أيقظت ضمير الفنان من جديد.. لكن من أجل ماذا هذه المرة؟! ربما فقط لتقزيم آمال الشعوب وتصغيرها لمستوى جرة غاز، وجالون بنزين أو مازوت! ويذهب بنا التخمين هُنا إلى ما ذهب إليه كثير من معارضي النظام، على أنّها إيعازات مخابراتيّة لهذه الشخصيّات الفنيّة، لتحقيق مهمّة تنفيسيّة عن الشعب المختنق من القلّة المعيشيّة، فضلاً عن قلة عتيقة لدى السوريين في الكرامة والحريّات والحقوق، ولأجلها ثاروا ثمانِي سنوات تحت وطأة الموت اليقين! وإن كانت صحوة في سياقها الصحيح، فهي بلا أدنى شكِّ متأخّرة تفقد مفعولها السليم، ولربما يكون لها تأثيرات جانيّة، تزيد من فجارة الموقف اللاأخلاقي.

 

أمام أزمة، تعتبر تفصيل صغير أمام كوارث المجتمع السوريّ وآلامه في ظل الحصار المطبق الذي فرضه النظام عليه، وقصفه بمختلف أنواع الأسلحة وسلب ونهب وتقاسم أراضيه من قبل مجموع قوى احتلال، واحتكار قراره لسلطات أجنبيّة، وعلى اختلاف أسباب "أزمة الغاز" سواء إن كان مفتعلة من قبل النظام، أو تصارع بين رؤوس أموال وتجار حروب، أو نزاعات كيدية بين الفئات المتصارعة على السلطة والنفوذ، يبقى الموقف الأخلاقي والإنسانيّ اتجاه أي قضية هو العلامة الفارقة في الشعوب، سواء لعامّته أو نخبته الثقافية (الفنيّة)، وهو ما أخفق فيه كثير من فناني السلطة، وجزء لا بأس به من أبناء الشعب السوريّ الصامتين عن الجرائم المرتكبة بأبناء بلدهم على الضفة الأخرى من الوطن!

   

الأمان مقابل الصمت.. معادلة النظام الخالدة

الأمان مقابل الصمت.. ليست بجديدة هذه المعادلة التي يرسمها نظام بشار الأسد الأمنيّ، صمت يفرضه على الشعب عند تحسسه لأي عملية تمرد أو تذمّر من واقع العيش المريع حتى يذكرهم بضريبة الحياة الآمنة في عهدة المستبدين، فمع تردي ظروف المعيشة و ظهور الحدة في أصوات الأهالي في مناطق سيطرته، يختلق فجأة تفجيرات ضمن مناطق من الصعب اختراقها أمنيّاً إلا من قبل جهاز مخابراته، في رسالة واضحة مفادها أنّ عدم الرضا بواقع العيش، يسلبكم نعمة الأمان، هذه النعمة التي يساوم فيها النظام سكان مناطقه، مجبرهم فيها على الصمت والتسليم لقضاء الله وقدره في شؤون وأحوال عبيده، في بقعة جغرافية خيّم عليها الاستبداد خمسين عاماً، بفعل الحديد والنار.. ونعود للسؤال الأهمّ، هل يستيقظ ضمير نائم عن مئات الآلاف من الضحايا الأبرياء على جرّة غاز؟!



حول هذه القصة

blogs سوريا

عدم احترام الآخر والقوانين والآداب العامة يبدو وبشكل جلي أنها متأصلة في مجتمعنا وأننا قمنا بنقلها معنا إلى بلاد المهجر، ولكن هنا يكمن السؤال: من المسؤول عن ترسيخ هذه الثقافة.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة