استقلالية الفرد.. الطريق المفروش بالورود لهدم الأسرة والمجتمع!

blogs عائلة

تعريف ببُعد الفرديّة: يعيش الأفراد ضمن مجموعات أكبر، ولا يعيشون فرادى، وينشؤون في إطار هذه المجموعات علاقات مع أفرادها الآخرين، ولكلّ مجموعة تأثير معيّن بقوّة ما على أفرادها، قوّة تأثير الفرد ضمن مجموعته تشير إلى ارتفاع درجة الفرديّة، وتطغى فيها الاهتمامات الفرديّة، ومصلحة الفرد على اهتمامات المجموعة ومصلحتها، والدرجة المنخفضة جدًّا من الفرديّة تُسمّى الجماعيّة، وتشير إلى قوّة تأثير المجموعة على أدوار الفرد، وتطغى فيها مصلحة المجموعة واهتماماتها.

تأثير الفرديّة على الأسرة

في الأسر الجماعيّة يعيش الأقارب في مجموعات كبيرة معًا، أو قريبين من بعضهم البعض جغرافيًّا، وغالبًا ما تكون الأسر ممتدّة، ومكوّنة من الأب والأمّ والأبناء والأجداد، وأحيانًا الأعمام والعمّات، ويعيشون معًا طوال حياتهم، والسّبب في كون الأسر ممتدّة ومتميّزة بعلاقة طويلة الأمد هو الولاء المطلق لها من قبل أفرادها.

يفكّر الأبناء بنفسهم كجزء من المجموعة، ويطغى فكر "نحن" على فكر "أنا"، حيث يفكّر الأبناء بعقليّة الأسرة وقوانينها وعاداتها، ويجب أن يتناغم تفكيرهم مع الأهل، فلا توجد آراء شخصيّة، فالآراء محدّدة مسبقًا، ويعتبر إظهار أيّ رأي مخالف تحدّيًّا ومواجهة مرفوضة، ويُصنّف صاحبه بأنّ له شخصيّة سيّئة، ويُنظر له نظرة المعاقب على عدم احترامه القوانين الأسريّة غير المكتوبة، وظهور رأي جديد مخالف لما ألفته الأسرة قد يستوجب اجتماعًا عائليًّا للتّصدّي له، وهذا مهمّ لتنمية حسّ الولاء عند الأبناء، فعلاقتهم بالأهل علاقة تستمرّ العمر بأكمله، إذ يعيش الأبناء في منزل الأهل أو في منطقة قريبة منهم حتّى بعد زواجهم، ويستمرّ الولاء في الطّقوس والأعياد والمناسبات.

هناك الأسر عالية الفرديّة، وفيها يعيش الأبناء الصّغار مع أبيهم وأمّهم فقط، أمّا الأبناء الكبار فيعيشون حياة مستقلّة، حتّى قبل زواجهم وتأسيس أسرهم الخاصّة بهم، إذ يغادر الابن منزل الأبوين فور استقلاليّته الماديّة

يتدخّل الأهل في القرارات المصيريّة التي تخصّ الأبناء، مثل الزّواج والعمل، بل ويعتبر رأيهم أهمّ من رأي الفرد صاحب الشّأن نفسه، فالزّواج مثلًا شأن عائلي تلتقي فيه أسرتا الزّوجين، وليس الزّوجان فقط، ممّا يستوجب تكافؤ الأسرتين اجتماعيًّا أو اقتصاديًّا، وقد يُرفَض زواج ما لعدم حصول هذا التّكافؤ، أو قد تدفع العصبيّة والولاء للأسرة الأكبر -مثل القبيلة- بقرار زواج أفرادها لأن يكون داخليًّا فقط، بمعنى أن يكون العروسان من نفس العائلة.

تعطي هذه العلاقة طويلة المدى أطرافها إحساسًا بالأمان النّفسي والمادّي، فالأهل مثلًا يساعدون ابنهم على مصاريف الدّراسة، فيكبر الابن ويجد وظيفة، ثمّ يساعد أهله مادّيًّا، ويساعد الأفراد العاملون الأفرادَ الّذين في مرحلة الدراسة، أو الباحثين عن العمل.

أمّا الابن الذي يكسر قواعد وعادات المجموعة، فيُوصم بالعار، ويلحقه الخزي أحيانًا إذا كان الموضوع يتطرّق لقيم أخلاقيّة معيّنة، والخزي والعار أحاسيس خارجيّة تنتج من معرفة الأقارب بالأمر الذي حصل، وتأثير معرفتهم على هذا الإحساس، وهذا التّأثير يزداد قوّة كلّما ازدادت درجة الجماعيّة، ويستمدّ هذا التّأثير قوّته من درجات الخصوصيّة المنخفضة الّتي تتّسم بها هذه الأسر، حيث ليس هناك ما يعرف بشأن خاصّ، فالشّأن لا بدَّ أن يكون عامًّا، لذلك تُناقَش الأمور الخاصّة بالأفراد بشكل جماعي، وينتشر الحديث في شؤون الآخرين كثيرًا.

على الطرف الآخر من المقياس هناك الأسر عالية الفرديّة، وفيها يعيش الأبناء الصّغار مع أبيهم وأمّهم فقط، أمّا الأبناء الكبار فيعيشون حياة مستقلّة، حتّى قبل زواجهم وتأسيس أسرهم الخاصّة بهم، إذ يغادر الابن منزل الأبوين فور استقلاليّته الماديّة، واستطاعته الاعتماد على نفسه، فتبقى الأسر صغيرة، وولاء أفرادها لها قليل، فنادرًا ما يزور الأقارب بعضهم، وحتّى علاقة الأبناء بالأبوين قد لا تستمرّ كثيرًا بعد مغادرة الأبناء منازل آبائهم، فتقلّ أو تنتهي نفسيًّا وماديًّا.

في هذا النوع من الأسر يتعلّم الأبناء أن يكون لهم آرائهم الشخصيّة، فلا تطغى شخصيّة الأسرة على شخصيّة الأبناء، بل العكس هو الصّحيح، فيطغى فكر "أنا" على فكر "نحن"، ويفكّر الأبناء بنفسهم كجزء مستقلّ، وليس بالضّرورة أن يتناغم تفكير الأبناء مع عادات وطقوس معيّنة يمارسها أحد أفراد الأسرة، بل إنّ الابن الذي تشبه آرائه آراء الآخرين يتمّ تصنيفه على أنّه شخصيّة ضعيفة ومُقلِّدة، إذ يجب أن تكون له آرائه وطرقه المختلفة، فاختلاف الآراء يُعدّ أمرًا صحّيًّا.

يجعل عدم ولاء الأبناء لأهلهم الأسرةَ مصدرًا غير فعّال للإحساس بالأمان النّفسي والمادّي، فالابن يعمل ويعول نفسه مبكّرًا، ويخرج من الإطار المادّي والنّفسي والفكري للأسرة، أمّا الأهل فلا ينتظرون مساعدة ابنهم مستقبلًا، ولا يتدخّل الأهل في القرارات الّتي تخصّ الأبناء مثل الزّواج والعمل أبدًا، فهي شؤون شخصيّة لصاحبها، فالزّواج مثلًا قد يتمّ إذا تكافأ الزّوجان علميًّا أو فكريًّا بعيدًا عن الوضع الاجتماعي أو الاقتصادي لأسرة أحدهما.

الابن الذي يخالف القوانين الخاصّة بالأسرة يوصم بالذّنب، وليس العار، والفرق بين الذّنب والعار هو أنّ الذّنب شعور داخلي، وليس لأطراف خارجيّة دور في تكوينه، أمّا العار فهو شعور خارجي ينشأ من نظرة المجتمع، وذلك لأنّ الخصوصيّة مهمّة ومحفوظة في هذه الأسر، فلا يتحدّث الأفراد في شؤون الآخرين، ولا يتناقلون أخبارهم، لأنّهم لا يعتقدون أنّها من شأنهم.

تأثير الفردية على المجتمع

وتؤثّر درجة الفرديّة على علاقات الأفراد في المجتمع، ففي المجتمعات التي تحمل درجة عالية من الجماعيّة، يتعامل الأفراد مع أنفسهم، ويتمّ التّعامل معهم أيضًا على أنّهم جزء من مجموعتهم الأكبر، وغالبًا ما تكون العائلة، فيُلاحظ بوضوح أنّ هذه المجتمعات غالبًا ما تكون مجتمعات قبليّة. يترتّب على هذه النظرة للفرد كجزء من مجموعته الكثير من التّبعات الاجتماعيّة، فتكون أهميّة الفرد من أهميّة مجموعته، ويُعدّ النّسب مهمًّا، ومعيارًا أساسيًّا لمفاضلة النّاس، فيصبح بعض الأفراد أهمّ وأكثر نفوذًا بسبب انتمائهم القبليّ، وهذا يؤثّر على الكثير من المعاملات مثل الزّواج، والعمل، وحلّ الخلافات، فيكون اسم العائلة مهمًّا في الزّواج، والحصول على فرصة عمل، ومن الشّائع والمألوف أن يطغى اسم عائلة معيّن على مجال مهني ما.

استقلاليّة الفرد ترتّب عليه حلّ مشاكله بنفسه، وهذا يجعل ولاء الفرد لنفسه فقط، وتصل الاستقلاليّة إلى التّفكير، فالفرد حرّ في اختيار وتشكيل أفكاره، ولا تشكّل أي مجموعة ضغطًا عليه لتبنّي أفكار معيّنة

وحلّ الخلافات يتمّ بشكل جماعي أيضًا، ويتعدّى الفرد صاحب الخلاف، فمن الشائع مثلًا اعتبار الثّأر قبليًّا يُطالب كلّ أفراد القبيلة به، وغالبًا ما يتمّ حلّ الخلافات بعيدًا عن المحاكم والجهات الرسميّة، فقوّة ضغط المجموعات والعادات الرّاسخة كفيلة بحلّ أغلب النّزاعات. نظرًا لإحساس الجماعة أنّ الفرد جزء منها، فإنّ المجموعة تتكفّل بحماية أفرادها، ومساعدتهم في حلّ مشاكلهم، ويشعر الفرد بالأمان لانتمائه لمجموعة، وإحساس الفرد أنّه جزء من مجموعته من شأنه زيادة الولاء لهذه المجموعة ليصل إلى الولاء المطلق في أغلب الأحيان، وهذا الولاء لا يكون نفسيًّا فقط، بل يكون فكريًّا أيضًا، فيَفْقِد الأفراد حريّة التّفكير، ويجب أن يفكّروا كما اعتادت قبائلهم، فالعادات القديمة المتوارثة مهمّة جدًّا، ولا يتمّ قبول شخصيّة مختلفة عن المجموعة، وقد يصل الأمر أحيانًا إلى أكثر من الرّفض، ممّا يجعل هذه المجتمعات مقاومة بشكل كبير لأيّة فكرة جديدة، كلّ هذا يجعل الأفراد يتكلّمون بصيغة الجماعة، فيكثر في حديثهم مفردات الجمع مثل "نحن"، و"لنا"، و"إنّا"، بل تتأثّر حتّى لغتهم، فيتحدّث الأفراد في بعض المجتمعات بصيغة الجمع عند الحديث عن أنفسهم بشكل فردي.

كذلك فإنّ الخصوصيّة غير موجودة في مثل هذه المجتمعات، إذ أنّ مفهوم شيء فردي خاصّ بصاحبه غير موجود، فالفرد جزء من مجموعته، وعليه فإنّ الشأن جماعي، ويستطيع أي فرد التحدّث فيه، ويترتّب على ذلك وجود أثر كبير للشّائعة يصل إلى العار، الّذي يطال أفراد المجموعة كلّهم، فتحاول المجموعات تجنّب وردّ الشائعات التي تخصّ أفرادها.

وعلى الطرف الآخر هناك المجتمعات عالية الفرديّة، حيث يتعامل الفرد مع نفسه ويتمّ التعامل معه باستقلاليّة تامّة عن مجموعته، فهو فرد لا يقدّمه أو يؤخّره إلّا أفكاره، ومميّزاته الفرديّة، مثل شهاداته العلميّة، وخبراته العمليّة. بناءً على ذلك، فإنّ اختيار الأفراد للمعاملات الاجتماعيّة في مثل هذه المجتمعات يكون لمؤهّلاتهم الفرديّة، فالزّواج مثلًا يتمّ بناء على موافقة الطرفين وملائمتهم لبعضهم، ويتمّ ترشيح شخص ما لعمل ما بناءً على خبراته الفرديّة فقط، وليس هناك قوى اجتماعيّة متمثّلة بالعادات من شأنها أن تعيقه أو تدعمه، وفي حال حدوث خلافات، يتمّ حلّها بشكل قانوني، ويتمّ التعامل فيها مع الأفراد أصحاب الشّأن فقط. 

استقلاليّة الفرد ترتّب عليه حلّ مشاكله بنفسه، وهذا يجعل ولاء الفرد لنفسه فقط، وتصل الاستقلاليّة إلى التّفكير، فالفرد حرّ في اختيار وتشكيل أفكاره، ولا تشكّل أي مجموعة ضغطًا عليه لتبنّي أفكار معيّنة، ممّا يجعل التّباين في الأفكار وأسلوبَ الحياة بين الأفراد كبيرًا جدًّا، وهذا يُفقد العادات المتوارثة قيمتها، ويتيح المجال لدخول أيّة أفكار جديدة إلى المجتمع، واستقلاليّة الفرد تحفظ خصوصيّته أيضًا، فشأنه يعنيه فقط، ولا ينتهكه أحد، ومستوى الشّائعات منخفض، وثبوتها يجلب الذّنب، وليس العار.