أيها المفكرون والفقهاء.. اخرجوا من سراديبكم الخشبية وأبراجكم العاجية!

blogs مجتمع

لا يمر علي يومٌ أبداً دون أن أفكر في ضرورة النهضة الإسلامية، العربية، والنهضةُ هذه طريقها ليس سهلاً هلهلاً مفروشاً بورود الأقحوان والياسمين، بل هو طريقٌ طويلٌ مظلم، وحالكٌ مدجَّجٌ بأشواك الصّبار.. وما يزيد طريق النهضةِ وُعُورَةً في نظري: أن حربنا فيها ليست مع عدو نهضتنا (الكافر) الذي تجاوَزنا بقرون وأغلق طريقنا بالأشواك، بل الحرب فيها في نظري مع طائفتين من عندنا قبل أن تكون مع عدونا، هاتين الطائفتين هما في الأصل أساس النهضة، ولكن هما نفسهما الحجرة العاثرة التي تقف حائلاً منيعاً وسدّا ضليعاً بيننا وبين هذه النهضة المنشودة المفقودة.. إنها طائفة المفكرين، وطائفة الشيوخ والفقهاء، وقبل أن أوضح ذلك سأمهِّدُ ببعض الأفكار الأساسية.

أولا: أن النهضة لا تتحقق بالأطباء ولا بعلماء البيولوجيا والفلك والفيزياء، بل النهضة لا تتحقق إلا بواسطة المفكرين، فالفكر هو الذي يصنع النهضة، وما أوروبا عنا ببعيد، فمن يعتقد أن إسحاق نيوتن وغريغور مندل وباستور هم الذين صنعوا نهضة أوروبا فقد أساء الظن، بل الذي صنع نهضة أوروبا هو فكر ديكارت، وفلسفة فرانسيس بيكون وجون استيوارت مل وأنوار سبينوزا.. ففكر هؤلاء هو الذي مهد الطريق للإنسان الأوروبي لقبول نظريات غاليليو غاليلي وجوهانس كيبلر وقوانين نيوتن فيما بعد. ولست هنا أنفي ضرورة الطب والفيزياء والرياضيات في النهضة، بل هي مطلوبة وضرورية، ولا تكتمل النهضة إلا بها، ولكن الفكر هو الذي يصنعها، فمليار طبيب لن يصنع نهضة أمَّة، بينما يكفي لصناعتها خمسة مفكرين، خلفهم طبيبان ومهندس وفيزيائي..

النهضة لن تتم ما لم يخرج الفقهاء من سراديبهم الخشبية، وينزل المفكرون من أبراجهم الخواجية، ويضعوا يداً في يد، فتتكاثف الجهود وتتحد الرؤى وتتعاضد الأيدي، فينهل المفكر من معين الفقيه الشرعي، وينظر الفقيه بمنظار الفيلسوف

ثانيا: أن إسقاط نماذج نهضوية لأمم أخرى على أمَّتِنا لن يحقق النهضة، بل قد يزيد ذلك الإسقاط في تخلفنا وانحطاطنا، فإذا كانت أوروبا قد تقدمت عندما أعلنت القطيعة مع الكنيسة ورجال الدين، فهذا لا يعني أننا سنتقدم عندما نفعل ذلك، بل هذا الأمر قد يزيد في تخلفنا وانحطاطنا، فليست المنظومة الدينية الكنسية هي نفسها المنظومة الدينية الإسلامية حتى نقيسها عليها بَلْهَ أن نسقطها عليها، وإسقاط تلك على هذه أشبهُ برجُلٍ مريضٍ بالحمَّى استعمل دواءً فشُفِيَ، فرآه رجلٌ آخر مريض بالقلب واستعمل نفس الدواء، ولكنه لم يُشفَ، بل زاده الدواء مرضاً إلى مرضه، لأنه استعمل دواء مرضٍ آخر على مرضه. 

ثالثا: وهذا أهم شرطٍ في شروط النهضة، وهو أن نستوعب أولا أننا خسرنا، وانهزمنا، وسَلَحَ العدو على رؤوسنا، وهذا في نظري غير متحقق في كثير من المسلمين الذين يعيشون في جلباب الوهم ويلتحفون برداء الخيال، أقصد بهم أولئك الذين يظنون أنهم لمجرد كونهم على الحق، فإنهم هم الغالبون المنصورون، أو أنهم على الأقل سينصرون ولو بعد حين، فتركوا الأسباب وناموا مطمئِنِّين، ولم ينتبهوا لأودية التخلف الجارفة التي تسحبهم إلى القاع يوماً بعد يوم.

ضياع النهضة بين المفكرين والفقهاء

في نظري أن ضياع النهضة يقع ذنبه على كاهل فريقين من الناس، المفكرون والشيوخ، أما المفكرون فأقصد بهم أولئك الذين تركوا النهل من الكتاب والسنة، وذهبوا يبحثون في النظريات الشيوعية والماركسية والليبرالية والأفكار الغربية المادية.. فعندنا مفكرون نعم، لكنهم يحملون فكراً شائهاً خِذاجاً؛ استوردوه من لدن حضارة غير حضارتهم، وتسلقوا الجبال الرواسي باحثين عن قطرة ماء، تاركين عين النهر يجري تحت أقدامهم، نهر الكتاب والسنة، فلو بنى هؤلاء المفكرون فكرهم على الأصل الإسلامي لقامت القائمة لأمتهم، ولعلا ضوؤُها وسطع نجمها وبذخ بنيانها، ولصلَح آخرها بما صلح به أولها، ولكنهم تشبَّعُوا بما لم يُعطَوْ، وكما يقول المثل المغربي "المغطي بديال الناس عريان". 

وأما الفقهاء فهم بعسكهم، فقد استمدوا أصولهم من الكتاب والسنة، ولكنه استمداد جاف جامد، حباله مفكوكة مع الفكر والواقع، فقد ضرب هؤلاء الشيوخ بسور بينهم وبين علوم الاجتماع والتاريخ والفلسفة والاقتصاد والسياسة، واعتقدوا أن كتاب المغني لابن قدامة الحنبلي، أو المبسوط للسرخسي، أو مختصر خليل المالكي سيصنع ثورةً تنقل الأمة من الخفض إلى المجد، ومن القاع إلى القمة، وهذا والله لن يتم، ما لم يترك هؤلاء الشيوخ أحكام السوق في كتب الفقه العباسي ونزلوا إلى الأسواق الإلكترونية، واقتحموا عالم البورصات والضرائب ودرسوا مستجدات الاقتصاد ونظريات التحول السكاني والتطور الفكري ووقائع الإنسان المستجدة في الزمان والمكان. 

ماذا تطلب منا النهضة؟

إن النهضة لن تتم ما لم يخرج الفقهاء من سراديبهم الخشبية، وينزل المفكرون من أبراجهم الخواجية، ويضعوا يداً في يد، فتتكاثف الجهود وتتحد الرؤى وتتعاضد الأيدي، فينهل المفكر من معين الفقيه الشرعي، وينظر الفقيه بمنظار الفيلسوف والاقتصادي وعالم الاجتماع، وتتوحد الرؤية الإسلامية النهضوية باجتماع ذوي التخصص وتعاونهم وتصافحهم وتصالحهم وإصلاح ذات البين بينهم، أما أن يبقى الشيخ مغلقاً بابه عليه في قطيعة رحم مع الفكر والآليات المعرفية الحديثة ظانا أنه يصيب السنة أو يحافظ على التراث بفهمه التاريخي هذا، ويبقى المفكر متسمرا راكعاً أمام الصنم الغربي المتآكل ظاناًّ أن بلاده ستصبح كألمانيا أو بريطانيا عندما تطبق القوانين والرؤى الغربية ولن تصبح مثل السينيغال أو أسوأ، فصلِّ الجنازة على النهضة وكبِّر أربعاً…. فلن ترتفع الأمة ولن تنهض إلا بفكر شرعي، يبني أصله على الكتاب والسنة، وينظر إلى العالَم بمنظار واقعي بآليات حديثة ونظرة واقعية مآلية بعثية… فاللهم نهضة.