أمة "واغضض من صوتك" لا تعرف الهدوء

لا تكاد تمر مناسبة -أو حتى بغير مناسبة- إلا ونسمع الموعظة نفسها عن كوننا "أمة اقرأ" التي لا تقرأ، مع أن الآية التي بدأ بها الوحي القرآني لم تقدم أمراً مباشراً للنبي ولا لأتباعه بالقراءة، وإلا كان النبي صلى الله عليه وسلم سيسارع فورا لتعلم القراءة. ولكن لا أذكر أن أحدا وصفنا بأننا "أمة واغضض من صوتك" التي لا تعرف الهدوء، مع أن هذه الوصية اللقمانية الحكيمة لم تكتف بالحثّ على غض الصوت فحسب، بل اقترنت دون أخواتها من الوصايا بتشنيع قبيح، فمن لا يمتثل لآداب الغض من الصوت -وفقا للآية- ليس سوى متشبه بالحمير!

 

كان العرب كغيرهم مضطرين للصراخ في المناسبات العامة، فالشاعر والخطيب لن يجدا لصوتهما صدىً ما لم يكن جهوريا بما يكفي لبلوغ الآذان، وربما تثنت وصية لقمان القديمة في أمة القرآن لتنبيههم إلى قبح هذه العادة في غير حاجة، لكن ثقافة سوق عكاظ ما زالت حاضرة بقوة في حياتنا اليومية، فلا يكاد حوار يخلو من صراخ، ولا يختلف في ذلك جدل بين أمييْن في مقهى عن مناقشة رسالة أكاديمية بين أساتذة في قاعة درس، أو عن مناقشة قانون بين عضوين في مجلس للنواب، فالكل مدفوع بقناعة مفادها أن الحق حليف الأعلى صوتا والأكثر صخبا، حتى لو كان الأقرب سلوكا للحمير بحسب تعبير الوحي نفسه.

 

أذكر شكوى جارٍ مسن قضى عمره مغتربا في أوروبا، ثم عاد متقاعداً إلى وطنه وهو يبحث جاهداً عن خطيب جمعة يعظ دون صراخ، والطريف أنه لم يجد ضالته إلا عند شيخ يهمس همساً، ليس لشيء إلا لأنه مصاب بسرطان الحنجرة!

قد لا يختلف اثنان على أننا أمة مستورِدة، فتلك صفة تضاف إلى ما سبق دون جدل، إلا أن استيرادنا انتقائي للأسف، فمع أننا استوردنا "المايكروفونات" وتوابعها لم نتخلص بعد من ثقافة سوق عكاظ الجاهلية، بل نطبقها كل يوم في مظاهر حايتنا المستوردة.

 

خذ مثلا المقاهي العصرية التي استوردناها من الغرب، فهناك تُعد ملاذا للهاربين من صخب المدن إلى فضاء السكينة والقراءة والإبداع، بينما تحولت لدينا إلى نوادٍ للسمر ومتابعة المباريات وتبادل الأحاديث الصاخبة. وقارن أيضا بين وسائل النقل الجماعي لديهم التي يتابع فيها الموظف أعماله والطالب دراسته، وبين وسائل نقلنا التي تعجز فيها -غالبا- عن القراءة أو النوم بسبب الضجيج.

 

وتأمل أيضا في نمط المكاتب الجماعية المفتوحة التي استوردناها من السوق الرأسمالي مجردة عن لوازمها، إذ يستحيل العمل في بيئة يتشارك فيها عشرات الموظفين دون تطبيق قاعدة "واغضض من صوتك"، وإلا تحولت مؤسساتنا إلى سوق عكاظ كلما تحاور زميلان للتخفف من ضغط العمل أو خاضت زميلة حوارا نسائيا على الهاتف.

 

قد لا تكون المقارنة مع الغرب دائما عادلة، فثمة صخب أيضا في مجالسهم، غير أن "أمة واغضض من صوتك" أولى بالالتزام بهذا الأدب، بل هي مأمورة بتربية أبنائها على وصية لقمان لابنه.

 

ربما سجل فلاسفة وأدباء غربيون عدة معاناتهم مع الصخب، لا سيما أولئك الانطوائيين المدفوعين بقوة الاستبطان إلى العزلة، لكن فرجينيا وولف لم تجد في استبطانها ما يكفي للخلاص، حتى قررت كاتبة مقال "غرفة تخص المرء وحده" الانتحار في قاع النهر.

 

أما شيخ الأدباء عندنا علي الطنطاوي فأورثنا شيئا من معاناته مع الصخب وأهله، حيث أفرد صفحات من مذكراته لوصف ثقلاء مجلسه، ولتوثيق العذاب الذي قض مضجعه كلما أصر أحد جيرانه على مشاركة الحي بأمسيات الطرب مع غناء أم كلثوم، فماذا كان سيكتب رحمه الله إن قُدّر له خوض تجارب الحياة والعمل في مظاهر حياتنا الحديثة المستوردة؟

 

ختاما، أذكر شكوى جارٍ مسن قضى عمره مغتربا في أوروبا، ثم عاد متقاعداً إلى وطنه وهو يبحث جاهداً عن خطيب جمعة يعظ دون صراخ، والطريف أنه لم يجد ضالته إلا عند شيخ يهمس همساً، ليس لشيء إلا لأنه مصاب بسرطان الحنجرة!



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

عدم احترام الآخر والقوانين والآداب العامة يبدو وبشكل جلي أنها متأصلة في مجتمعنا وأننا قمنا بنقلها معنا إلى بلاد المهجر، ولكن هنا يكمن السؤال: من المسؤول عن ترسيخ هذه الثقافة.

الأكثر قراءة