نهب للثروات ودعم للمستبدين.. ماذا تعرف عن علاقة أوروبا بأفريقيا؟

blogs أفريقيا

بعيدا عن الخلاف/ الصراع حول ليبيا الذي نشب بين إيطاليا وفرنسا، المرشح للاستمرار إلى بضع جولات جديدة. وبعيدا عن التوتر الذي تطور بين البلدين في الآونة الأخيرة، انتهى باستدعاء وزارة الخارجية الفرنسية سفيرة إيطاليا، بعد تصريحات أدلى بها لويجي دي مايو نائب رئيس الوزراء الإيطالي اتهم فيها فرنسا بجعل إفريقيا أكثر فقرا، داعيا الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات عليها.

بعيدا عن كل ذلك، يمكن قراءة هذا الصراع في ضوء حرب جيوسياسية مستعرة بين القوتين الأوروبيتين، لا تختلف عن تلك التي حدثت نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. فمقاربة الفعل ورد الفعل بين البلدين يتطلب مقاربة إعلامية تقوم على رصد الحدث واستكشافه، للوصول إلى حقيقة الصراع القائم بين فرنسا وإيطاليا الذي يتواصل في الزمن، لكنه ينتهي حتما في وقت لاحق، وقد يفسر الموضوع في إطار عملية استرجاع لتفاصيل سابقة للحدث، تندرج ضمنها كل التصريحات والتداعيات المرتبطة بهذا الصراع.

يكمن في دعم فرنسا للجنرال خليفة حفتر أحد طرفي النزاع في ليبيا، ودفع أجندتها الخاصة لتنظيم الانتخابات المبكرة في غياب الدستور والمؤسسات ديمقراطية، بينما تعمل إيطاليا على الحفاظ عن أصولها الاقتصادية ودعم حلفائها في غرب ليبيا

إعلاميا يمثل هذا الخلاف/ الصراع بين بلدين أوروبيين نزعة أو غريزة بشرية لا يمكن إنكارها بين الأفراد والجماعات والدول. وهذه النزعة هي التي تترجم أسرار لأخبار السيطرة والتحكم سواء كانت صادرة عن الأفراد كحوادث القتل والسطو المسلح وغيرها، أو الأخبار الصادرة عن الدول والمتمثلة في الخلافات والصراعات والانقلابات والاصطدامات والحروب التي تنشب بينها.. 

كما تفسر ضمن خانة المنافسة التي تحدث بين الأطراف المتصارعة، بهدف السعي إلى البروز والتفوق والسيطرة.. وتأكيد رغبة هذه الدول في تحقيق النجاح والانتصار على الشعوب الأخرى وإخضاعها لسيطرتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية… فهو من أهم عناصر الخبر، إذ يكمن عادة في أخبار التدخلات العسكرية والاستحواذ على الأسواق ومصادر الطاقة والمضاربات المالية والمزادات والمسابقات والمباريات وغيرها.

وحقيقة الصراع بين الأوروبيين، يكمن في دعم فرنسا للجنرال خليفة حفتر أحد طرفي النزاع في ليبيا، ودفع أجندتها الخاصة لتنظيم الانتخابات المبكرة في غياب الدستور والمؤسسات ديمقراطية، بينما تعمل إيطاليا على الحفاظ عن أصولها الاقتصادية ودعم حلفائها في غرب ليبيا.. وبدأت المنافسة بين إيطاليا وفرنسا في شمال أفريقيا في أواخر القرن التاسع عشر، وعلى عكس بريطانيا وفرنسا، جاء بروز إيطاليا كقوة استعمارية في وقت متأخر، حيث لم تغز سوى القارة الأفريقية إلا في 1871. وتحضر فرنسا في ليبيا بعملاق الطاقة توتال مشكلا نسبة تصل 15 في المائة في زمن ليبيا القذافي. وسيطرت على 14 في المائة من سوق النفط والغاز، مما وضعها في المركز الثاني خلف شركة إيني الإيطالية، التي تملك خط أنابيب "الدفق الأخضر"، وتظل مصالح إيطالية مهددة بشكل مباشر من قبل حلفاء خليفة حفتر الموالي لفرنسا. فقد راهنت فرنسا على نظام جديد يساعدها في تثبيته ليكون مدينا لباريس بنصيب أكبر من العقود الاقتصادية المربحة وبقدر أكبر من الولاء السياسي.

وحين العودة إلى تصريحات لويجي دي مايو تضطرب الصورة في خطابها الدلالي، عند كل باحث في ثنايا هذا الصراع. ويمكن القول إن تصريحاته المتكررة تفسر بعضها البعض، فكلما اشتد الصراع، كلما قاد الغضب لدى الطرف الإيطالي في استحضار المسكوت عنه فرنسيا. وقد سبق "لدي مايو" أن اتهم فرنسا ودول أوربية بمسؤوليتها في هجرة الأفارقة نحو أوروبا، بسبب أنها لم تكف يدها عن استعمار عشرات الدول الإفريقية. مضيفا أنه لو لم يكن لفرنسا مستعمرات إفريقية، لاحتلت المرتبة الاقتصادية الـ 15 في العالم، في حين أنها تعد من بين الأوائل بفضل ما تفعله في إفريقيا".

هكذا تتضح الصورة وتأخذ شكلها الطبيعي، حين يقترب المتتبع من طبيعة العلاقة بين فرنسا وإفريقيا التي سادت في السابق، حيث لم تكن سوى مسيرة من الاستغلال والقهر.. ويكفي الاعتراف الصريح للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في خطابه في جامعة واغادوغو ببوركينا فاسو خلال شهر نوفمبر 2017، بوجود أخطاء وجرائم وأشياء كبيرة، بل بحدوث جرائم للاستعمار الأوروبي التي لا جدال فيها، لكنه دعا إلى تجنب الماضي وتركه يمضي إلى سبيله.

من السذاجة اعتبار أن العلاقات بين روما وباريس أو بين الدول الأوروبية، تعيش حالات من الاضطراب والتوتر إذا تعلق الأمر بإفريقيا. فتصاعد الخلاف الأخير بين فرنسا وايطاليا أو بين مختلف الدول الأوربية لن يمتد إلا لمدة قصيرة، حتى وإن وصل الأمر إلى حد تبادل الاتهامات العلنية والشتائم. إذ سرعان ما تنتهي أجواء التوتر خلال لقاء قمة أوروبية، يتم فيها تقاسم المنافع والقبول بنصيبهم من الامتيازات في الدول الإفريقية. 

الحديث عن استغلال الإمكانيات الإفريقية في تحقيق تنمية قارية، يقتضي البحث والخوض في معوقات هذه التنمية، لتحديد متطلبات الإقلاع التنموي. بهدف البحث عن الحلول الكفيلة للخروج من هذه المعوقات

ومن ثم تظهر الحقيقة كاملة عاجلا أو آجلا، وهي أن العلاقة بين فرنسا وإيطاليا وغيرها من الدول الأوروبية، تبرز على شكل صور كاشفة شفافة، ينبغي الأخذ بها في تفسير شكل تلك العلاقة بين أوربا وإفريقيا، ومفادها أن الصراع بين الدول الأوروبية قائم على تقاسم المصالح لا أقل ولا أكثر، ثم ينتهي بعد الاستفادة. فلا يمكن إرساء علاقة أفقية إيجابية بين أوروبا وأفريقيا، لأن الأخيرة تعيش حالة من الضياع والتشتت، مثقلة بالهموم والمشاكل. فهي قارة مركزية تلتقي فيها كافة التحديات العالمية المعاصرة. فلا ينبغي التصديق بوعود إحدى الدول الأوربية المركزية وهي فرنسا بأن تكون شريكا مفضلا لأفريقيا في مكافحة الاحتباس الحراري، لجعل الطاقة أكثر توزيعا ونظافة. لكن ما يمكن أن تقدمه تلك العلاقة فقط، هي مضاعفة الشراكات بين الجامعات والمدارس الأفريقية، ومنح المزيد من بطاقات الإقامة طويلة الأمد للأفارقة الحاصلين على شهادات جامعية من فرنسا. وتكفي الاشارة إلى العلاقة المضطربة الغامضة إلى ما صرح به الرئيس ما كرون في 2017، حين اعتبر أنه من المستحيل تنمية إفريقيا بسبب الزيادة في عدد المواليد، داعيا لتمتيع المرأة الأفريقية بحرية عدم تزويجها في سن مبكر واختيار عدد أطفالها.

ورغم أن دول إفريقيا تعد من أغنى الدول من حيث الموارد الطبيعية كالنفط والغاز، تبقى المنطقة أكثر فقر من حيث التطور والتنمية، فإفريقيا وإن كانت قد تخلصت من الاستعمار، إلا أنها ظلت تعيش حالة من التبعية والارتهان للدول الأوربية. رغم أن هذه الأخيرة وعلى رأسها فرنسا ما فتئت تعمل على تغذية الاشتباكات والنزاعات الإثنية والطائفية والحروب الأهلية والقبلية، وإشعال فتيل الصراع على الأراضي والمياه والثروات الطبيعية في كل مكان من القارة الأفريقية. 

مما يحوّلها الى قارة مشتعلة بسبب غياب الاستقرار. وهذا يضاعف من مشاكلها الاقتصادية والتنموية عموما. وتكفي الإشارة أنه من بين 53 دولة إفريقية، توجد 23 دولة منها تعتبر وفق التقارير الدولية في موضوع التنمية من أكثر دول العالم فقرا. وأزيد من 60 في المائة من بين 800 مليون إفريقي يعيشون حالة أدنى من مستوى الفقر المعتمد عالميا من المؤسسات التنموية. 

إن الحديث عن استغلال الإمكانيات الإفريقية في تحقيق تنمية قارية، يقتضي البحث والخوض في معوقات هذه التنمية، لتحديد متطلبات الإقلاع التنموي. بهدف البحث عن الحلول الكفيلة للخروج من هذه المعوقات. ومن أبرز هذه الحلول القيام بالثورة على الوصاية الأوربية على الدول الإفريقية، وهذا لن يتم إلا باللجوء إلى تبني الديموقراطية وتفادي الأنظمة الاستبدادية الشمولية المتحكمة في الدول الإفريقية، التي تتغذى وتتقوى من الدعم الأوربي شكلا ومضمونا، كما هو الشأن لفرنسا في تجارب متعددة مع دول إفريقيا.