نيتشه وهتلر.. سوء فهم كبير غيّر العالم للأبد

"لدي تخوف رهيب من أن يتم تقديسي في يوم ما"..  نيتشه

كان هتلر يرى في نفسه فيلسوفا عبقريا سينقد ألمانيا من ذل الهزيمة في الحرب العالمية الأولى، فبعد توليه السلطة سنة 1933، قدّم نفسه للشعب بأنه "الزعيم الفيلسوف"، ولفلسفة نيتشه حول القوة والإنسان الأعلى أثر كبير على النازيين، الذين اعتبروا نيتشه عرابهم وبعد استيلائهم على السلطة جعلوا من الفكر النيتشاوي الفكر الرسمي للنازية، حتى أن هتلر وضع مخطوطات وكتب نيتشه تحت حمايته الخاصة، ورفع من منزلته جاعلا منه الفيلسوف الذي اتمم الرسالة العظمى لتحرير الفكر الألماني من العناصر الدخيلة، كثيرا ما ثم الربط بين نيتشه وهتلر، فقيل بأن فلسفة نيتشه أنجبت شخصية هتلر مثلما أنجبت فلسفة مكيافيلي شخصية موسوليني..

الإنسان الخارق "السوبيرمان"

ظهرت فكرة الإنسان الخارق أو السوبيرمان في كتاب نيتشه "هكذا تكلم زرادشت"، وتتجلى الفكرة في أن يُدرك البشر مواطن ضعفهم ويعترفوا بها وبعد ذلك يتخلصوا منها وينبذوا كل العقبات في مسيرتهم نحو النجاح والتقدم، ليصبحوا بذلك في مرتبة أعلى قادرين على تخطي الألم ومشاعر الضعف، واعتبر الكثير من المحللين بأن مصطلح السوبيرمان دعوة للتغلب على الإنسانية وتمجيد المنفعة على الديمقراطية، واعتبروا هتلر نموذجا مثاليا طبق هذه النظرية، يقول جيل دولوز: إن هتلر هو عبد نيتشه الذي نبذه في أفكاره، حيت سعى إلى السيطرة والتدمير، إنه العبد الذي يعتقد أنه تحرر، لكنه في الواقع لم يقترب من الحرية.. إن الحرية التي دعا إليها نيتشه تكمن في التحرر من الغرائز السيئة.

هتلر في كتابه "كفاحي" يدين الحرية ويؤيد المصالح الجماعية على حساب الفرد، من جهة أخرى يرفض نيتشه فكرة نفاق الجماهير لأنه يرى أنهم رعاع

كثيرا ما تعرضت أفكار نيتشه للانتقاد، ومن النقد الموجه له أنه لم يعش مثلما كان يُفكر، لكن مقولته "بعض الناس يُولدون بعد موتهم" أعطت مصادقية لفكر الفيلسوف، لقد كان طموح نيتشه أن يرى مجتمعا يسوده أناس متفوقون، بينما سعى هتلر لتحسين النسل البشري بالقضاء على المعاقين وأصحاب التشوهات وجعل العرق الاري في قمة الهرم، نفس الهرم الذي دعا إليه نيتشه في فكره. غير أن فلسفة نيتشه تعرضت لأدلجة خطيرة، فبعد وفاته، أصبح أرشيفه كاملا تحت سيطرة اخته إيليزابيت المعروفة بإنتمائها للفكر النازي، فنشرت فقط مايتوافق مع معتقداتها ومايعزز النزعة النازية، وأثنت على الفوهرر بوصفه أنه "السوبيرمان الذي تنبأ به أخي نيتشه".

رُبما لو عاش نيتشه في فترة هتلر لنبذ أفكاره وتراجع عنها، وكما قال علي عزت بيجوفيتش "لقد كان نيتشه إنسانا حساسا ورقيق المشاعر، ولم يكن إطلاقا مثل أنسانة الأعلى، وفقد عقله بعد أن رأى حصانا يتعرض للضرب من قبل صاحبه فعانقه بلطف وانخرط معه في البكاء وهو يقول للحصان أنا أفهمك.. أفهمك"، من المؤسف إدراك أن الحرب العالمية الثانية التي وُصفت بأنها حرب نيتشه، ربما اندلعت بسبب سوء فهم فقط، وكما قال نيتشه ذات مرة "لا توجد وقائع إنما هي تأويلات".

نيتشه، هتلر واليهودية

يدين نيتشه اليهودية لكن ليس من منطلق ديني، إنما لأنها نمط تفسير وتأويل للعالم، تقف النازية ضدا على اليهودية كاختيار وكانتماء ديني بغرض الانتقام ورد الثأر لما وقع خلال الحرب العالمية الأولى، بينما يدين اليهود لحد الأن نيتشه لكونه سبب نكبتهم على حد قولهم.. كثيرا ما تحدث نيتشه عن اليهودية في كتبه، وأدانهم ورفضهم لأنهم يمثلون العدو الأول لفلسفته، أما النازية فقد حكمتها أهداف عرقية لمحو اليهود إضافة لأسباب سياسية كدور اليهود في الوساطة بين أمريكا وبريطانيا في الحرب العالمية الأولى، أما نيتشه فعدائه نابع من تصور فلسفي خالص مفاده أن اليهودية تمثل امتدادا أفلاطونيا في الديانة المسيحية، وشكلت عائقا لفكره حول الحياة وذلك لأنها تكرس روح الضغينة والحقد وتشجع على التضحية والصبر والمساواة والشفقة، إضافة إلى عملها على التفنن في قتل الحياة وتمجيد الزهد واعتبار الدنيا مرضا يجب الشفاء منه عبر الموت.

تبرئة نيتشه من النازية

حاول الدكتور يوسف شوقي مجدى تبرئة نيتشه من النازية من خلال مجموعة من الأدلة التي تنفي الاتهامات الموجهة لنيتشه، فلنيتشه نزعة فردية كبيرة وهذا لا يتفق بتاتا مع النازية، هتلر في كتابه "كفاحي" يدين الحرية ويؤيد المصالح الجماعية على حساب الفرد، من جهة أخرى يرفض نيتشه فكرة نفاق الجماهير لأنه يرى أنهم رعاع، ومن درس تاريخ النازية سيرى مقدار الشعبوية populism كفكرة سياسية تعتمد على الاعتراف بقيمة الجماهير وبالتالي قيادتهم والسيطرة عليهم بالخطابات والتعبئة الشعبية والنفاق. نيتشه أيضا يرفض المساواة بين الناس أو أي أفكار اشتراكية بالاضافة لرفضه القومية، والكل يعلم أن النازية مبنية على أسس القومية الاشتراكية.

هذه أدلة من بين أخرى تكشف أن فكر نيتشه قد ثم تحويره لخدمة النازية، والذنب يقع نسبيا على ألفرد بويملر فيلسوف البلاط النازي، الذي حول نيتشه إلى "المتنبئ بهتلر"، حيت جرت صياغة أفكار نيتشه ليكون فيلسوف الدولة الألمانية وفيلسوف النقاء العرقي الألماني بمساعدة من اليزابيت شقيقة نيتشه التي نشرت أوراقه الأخيرة في كتاب بعنوان "إرادة القوة".

يقول المؤرخ سترنهل أن العمل الكبير يحتمل دوما دلالاتين مهمتين، تلك التي يعطيها الكاتب وتلك التي تقدمها الأجيال اللاحقة، لذلك يمكن القول أن كل عمل لا يمثل نفسه بقدر ما يمثل نظرة من أوجده وقراءة القارئين اللاحقين عنه. في النهاية، سواء كان لدينا نيتشه طيب أو نيتشه خبيت، فنيتشه يخبرنا عن أنفسنا وأزماتنا أكثر منا يخبرنا عن نفسه، حين تمشي الأمور بشكل جيد يكون لدينا نيتشه صاحب الخلق الذاتي الفردي، وحين تكون الأمور خبيثة يكون لدينا نيتشه الأب الروحي للنازية، وحيدا أمضي الان، وأنتم أيضا ستمضون وحيدين.. وهكذا أردت لكم.. نيتشه



حول هذه القصة

شرعت الليبرالية في تحديدِ شرائط التقدم، أنها تؤمنُ أن الحقوق المتساوية وحرية التعبير، يؤسسان قاعدته، لذا ترفضُ تركُزاتِ السلطة وبطرقٍ مختلفة، رفضَ روسو، وماركس، ونيتشه، هذه الأفكار، ووضعوها تحت الرحى.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة