ما فائدة الكتب التي قرأناها ولا نتذكر منها شيئا؟!

نتقلب في هذه الحياة مرحلةً تعقبها أخرى لا نستطيع حبس وتوقيف أي مرحلة نمر بها ولو لحظة، في كل شيء نعمله ونحس بأن بساط الزمن يُسلب منا ولا نستطيع تجاهه فعل شيء، في العمل وكذا في القراءة، هذا مرت عليه عشر سنين، وذاك عشرون، وآخر ما فوق الثلاثين والأربعين والخمسين بل وربما الستين إلى السبعين، وقد يكون كل منهما قرأ عدداً من الكتب حسب وقته وإمكانيته في هذا المجال، منهم من قرأ ألفا وألفين، ومنهم من هو ظالم في ذلك أو مقصد أو سابق حسب الإقبال والادبار في ذلك، ولكن هل تساءل ووقف أحد يوما مع نفسه أو مع صديقه وقال منذ الصغر وأنا أقرأ ما فائدة هذه القراءة على حياتنا؟ وكيف لي أن أعرف أن ما قرأت من الكتب إستفدت منها في حياتي وتصرفاتي وكتابتي بل وفي كل شيء من حولي؟

يبدوا من الوهلة الأولى للإنسان أن هذا الأمر ليس مهما ويحسب نفسه أنه غني عن هذه الأسئلة ولا يمكن أن يتم التفكير فيها ما دام الإنسان يقرأ فهو قطعاً يستفيد، ولكن حقا أحيانا تأتي وهلةٌ على الإنسان يجد نفسه غارقا في دوامة من التفكير والتساؤلات تلح عليه من هنا وهناك، ينظر إلى مكتبته وكتبه ويقول هل أنا قرأت هذه الكتب كلها؟ ويحاول أن يتذكر ما فيها لا يستطيع أن يتذكر ولو حتى ربع مما تمت قراءته من هذه الكتب،  ماعدى أسماء الكتب وبعض العناوين الكبرى ما زالت منقوشة في الذاكرة يحاول لملمتها وربطها في سياق عسى أن يصل إلى مضومن الكتاب فيعطي له رؤية واضحة لِما تمت قراءته من قبل.

عندما نتتبع فائدة القراءة حتما نجدها كثيرةً ومتنوعةً في حياتنا، فليس بالضروري أن تكون فائدتها هي استحضار ما تمت قراءته في الكتب والمجلات والجرائد وغيرها فقط، وإنما ما هو ضروري هو أن يكون لنا وعيٌ بأن ما نتم قراءته

وفي نفس هذا السياق التساؤلي مرة كنا نتحدث أنا وأحد أصدقائي حول جو القراءة وما فيها ففاجأني بسؤال ما زال يتردد ذهني كلما طرق خاطري موضوع يتعلق بفائدة وجدوى القراءة في الحياة، قال: قرأت الكثير الكثير ومكتبتي مملوءة بكتب قرأتها وأنا لا أتذكر منها شيئا، ما فائدة قراءتنا لهذه الكتب إذا لم نتذكرها ونسخضر ما فيها؟ قلت له بدون ترد أو تفكير ربما ما سأقوله لك لن يكون صحيحاً، أو بالأحرى غير كافي لإجابتك إجابةً يمكن أن تطمئن إليها وتستعين بها على البحث عن أجوبةٍ أخرى تكون أكثر إقناعا وفائدة، قلت له: كم كتبت من الموضوعات والمقالات والقصص… تعبر فيها عما يدور بخاطرك من أفكار وأحاسيس وكتابتها بشكل جيد وسليم، سواء في اللغة والتعبير أو في طريقة عرض الأفكار وتقديمها في حُلة خاصة بك تُسَر بها عند تقديمها وتبقى كأنها شيء إنقطع منك وسار على هذه الشاكلة؟

وأنا أنتظر منه جوابا رفع رأسه إلي قليلا وقال: طبعا كتبت الكثير حول ما ذكرت بل وحتى صارت بعد المدونات والجرائد الإلكترونية تنشر بعض ما أكتبه وأفرح لذلك أيما فرح وسرور، قلت له وأنا ألاحظ على محياه أنه عرف ما سأقوله له. هل كنت ستكتب كل هذا لولا قراءتك لهذه الكتب كلها؟ قال: طبعا ما كنت أفعلها لولا ماذكرت من شأن القراءة لهذه الكتب، وزاد على ذلك قولة أخرى قائلا: طالما سمعت وقرأت في الكتب أن القراءة هي أم الكتابة، ولكن كنت لا أحمل هذا الأمر على محمله وأظن أن الكتابة شيء مستقل ومنفصل عن القراءة. قلت له حقا أحيانا قد تكون مستقلة مع مرور الوقت والتدريب عليها يوميا حتى تصير جزءا من عملك اليومي.

وهكذا عندما نتتبع فائدة القراءة حتما نجدها كثيرةً ومتنوعةً في حياتنا، فليس بالضروري أن تكون فائدتها هي استحضار ما تمت قراءته في الكتب والمجلات والجرائد وغيرها فقط، وإنما ما هو ضروري هو أن يكون لنا وعيٌ بأن ما نتم  قراءته هو حتما يشكل وعينا ويغير  نظرتتا وتفكيرنا للأشياء من حولنا، فكل كلمةٍ وكل جملةٍ يتم قراءتها فهي قطعا تصير ملكا لك ومنك تستقر في ذهنك وإن بدا لك أنها غير مستقرة ولا تتذكرها بتاتا، ولكن ما إن تسترسل في الحديث أو الكتابة تجد هذه الكلمات والجمل تهفوا عليك تِباعا تَحير فقط في كيفية إنتقاءها وترصيعها ترصيعا جميلا حسب مدلولها ومفاهيمها وسياقها في الموضوع الذي أنت بصدد الحديث أو الكتابة عنه.

وعلى هذا النمط ينبغي أن تسود ظرتنا للقراءة لا ينبغي أن نحقر ونستصغر ما نقرأه مهما بدا لنا أنه لا فائدة منه، يبقى فقط في هذا هو محاولة إنتقاء الأجود والأفيد في المواضيع التي نتم قراءتها حتى لا يضيع منا وقتٌ كثيرٌ واستفادة فيه قليلة استفدناها، فكل الكتب المهمة في الموضوع ينبغي أن نقرأها ونحاول فهمها فهما نكون معه استوعبنا ما يقوله الكتاب بعيدا عن حفظه بكلماته وجمله، وليست بالضروري أن تكون هذه الكتب صدرت عن كتاب مشهورين، فكم من كِتابٍ وكُتبٍ قيمة أصحابها ليس معروفين بتاتا المهم في هذا هو الكفاءة والفائدة، فما ينبغي أن نركز عليه هو شَغلُ بالِنا قدر الإمكان بمحاولة قراءة أكبر قدر وحيز من الزمن في يومنا، وإلقاء بكل ما يجول في  خاطرنا من أن رُب هذا الكتاب أو هذا الوقت ليس صالحا للقراءة ولا نقرأ، ونكون بذلك قد استسلمنا للكسل وضاع منا وقتٌ كان سيتم فيه لو قرأنا التقاط الكثير من الكلمات والجمل حتما سنحتاجها في وقت آخر ولا نجدها للأسف لكوننا لم نقرأها.

وكما أن فائدة القراءة تظهر على ما قلناه من الكتابة كذلك تظهر أيضا على حياتنا اليومية المعاشة ولو بصورة متفاوتة لا نلقي لها بالا أحيانا، ولكن المؤد هو أنها تُحدث أثرا في أفكارنا، في نظرتنا، في تصرفاتنا… فهي بلا شك تكون نابعة عما تم قرأناه من الكتب أو سمعناه أو شهدناه في كل ما يصب تجاه وحول مجال العلم والقراءة.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة