"تبّاً للرّواية!".. هل الشِّعر تحت أقدام الرّواية؟

"تبّا للرواية" هو أحد الكتب الصادرة للكاتب السوداني عمرو منيب دهب، وترجمه إلى اللغة الإنجليزية الكاتب والمترجم المغربي يوسف الحراق، يبدو من عنوان الكتاب أنه مثير وجذاب، فالكاتب قد بلغ بكرهه للرواية مبلغا عظيما إلى درجة أن استعمل في حقها كلمة "تبا"، والكتاب هو سلسلة مقالات، ويبدو أن عنوان الكتاب الرئيسي ليس وحده محل الدهشة، فقد عنون الكاتب بعض مقالاته بـ "الروائيون الكذابون"، "الروائي جبان" وما إلى ذلك، فالرواية عند الكاتب هي الكتابة حول ما هو مثير، كالعلاقات الجنسية خارج إطار الشرع، فهذا اللون من الكتابة هدفه استمالة القراء وتحقيق الرواج، وحرص الكاتب في مجمل كتابه على الدفاع عن حرمة الشعر والمقالة كونه يزاولهما بالضبط مثلما يدافع الطبيب عن الطب، والمحامي عن المحاماة، والكُتّاب عموما عن الكتابة، فالشعر عنده بريء من الإثارة الجنسية، وحتى وإن اقتحم الشعراء مناطقها فقد فعلوا ذلك مع أبيات معدودة، متناسيا ديوان أبي حكيمة لصاحبه أبو حكيمة راشد بن إسحاق الموغل في الجنس الصريح، وعمر بن أبي ربيعة، والأحوص، والخليفة الوليد بن زيد، وحسين مردان، وجوزيف نجيم وغيرهم كثر قديما وحديثا، وبالتالي فالهجوم على الرواية من هذا المنظور بدرع الشعر سيدفع بالمهاجم حتما إلى الهلاك، ثم يحاول الكاتب أن يذكرنا بتعديله لمقولة "زمن الرواية" إلى عبارة "زمن القص"، حتى لا تهضم حقوق القصة القصيرة التي ذاع صيتها في وقت من الأوقات، وشبه هذا الصعود بتنازل الشعر عن موقعه التقليدي بوصفه أرقى أنواع الأدب.

 

في المقابل قال بأن الكتاب الشهير صدام الحضارات أصله مقالة، وصرح أن الذي جنى على المقالة هو اتساع قالبها وارتفاع منسوب تحررها من شتى القيود الأدبية، ثم يخترع الكاتب مقولة "الروائي جبان"، كونه يستتر خلف قصة مختلقة للتعبير عن رأيه، ويستعمل لذلك شخصيات يوظفها لقول ما لا يقدر على الجهر به بلسانه، والشاعر هنا يصدح بالقول المنسوب إلى شخصه بينما الروائي يتوارى خلف ألسنة غيره، وانتقد الكاتب سلطة النقاد على الإبداع واختياراتهم التي لا تبنى على أسس أدبية بل على الأهواء الشخصية، فيدفعون بالضعيف ويتهجمون على المجد، ليخضعوه لفروض الطاعة والولاء، حتى يحصل على الإجازة بقولهم "اذهب روائيا على بركة الله"، ثم قارن بين كذب الشاعر وكذب الروائي، وقال بأن الكذب ينطبق على الروائي أضعافا مضاعفة بينما تخرج المقالة بريئة من هذا الاتهام، كونها لا تنهض أساسا على الكذب، ثم يؤكد الكاتب أن عشاق الرواية عليهم أن يعلموا أن معشوقتهم ليست صاحبة وجود أزلي في عالم الأدب، ولا هي مرشحة للوجود الأدبي في العالم ذاته، ثم أننا نعيش موضة الرواية وليس زمان الرواية.

 

الشاعر أساء إلى الشعر حين جعله مقياسا يحدد به جودة الرواية، فهذا جنس أدبي وذاك جنس أدبي آخر، وكنت أتمنى أن ينتقد الرواية من منطلق اعتبارها مكونا أدبيا قائما بذاته

وهذه الموضة لم تتمكن بالإطاحة بالشعر تحديدا، فلا عيب أن تكون الرواية مجرد اختراع أدبي لكن السخرية على حد قوله في مقولة "فضل اللاحق في فنون الأدب على السابق"، وفي معرضه عن الشهرة قال الكاتب أن المبدع لا يزال يركض خلف الشهرة حتى يدركها، فيدع الناس تركض خلفه ثم يتضايق من ذلك، والأهم هنا هو القدر المستحق من الشهرة، وهي تأتي بالجمع بين الاكتساح الجماهيري والقيمة الفنية الرفيعة، ومن حق كل واحد أن يسعى إليها، والرواية تبدو اليوم الجنس الأدبي المؤهل لتحقيق الشهرة باعتبارها تجمع بين النجاح (الفني) والنجاح التجاري، ويتهم الكاتب الرواية بقوله أن الشهرة والجوائز أصبحت تتزاحم على عتبات وبلاط مملكة الرواية، وجاء بأمثلة كتاب مرموقين رفضوا جائزة نوبل كسارتر وبرناردشو وشدد بأن الفائزين بالجوائز ليسوا الأفضل بين الكتاب، وإنما انطبقت عليهم معايير الفوز التي ترتبط بهوى اللجنة المشرفة على الجائزة.

 

كما أشار بأن هوس الكاتب يعتبر هيّنا أن يوصف بكونه يتلهف على أن يقرأه الناس، ولكن الأدهى أن يتوسل رضا الجماهير ولو بالتصريح بأرقام ملفقة. وينتقد الكاتب تعامل وسائل الإعلام مع الكتّاب، ودورهم في صناعة النجوم منهم، وتقديمهم للنقاد على أنهم قوة تخلق آراؤهم التوهج كما تخلق الضجة، ولا تخلو الكتابة حسب الكاتب من عامل العنصرية، في شكل تعصبات، ويبقى محترفو الشهرة هم الكتّاب الذين يحسنون التودد إلى أكثر من عصابة!، ثم يعود إلى التأكيد مرة أخرى على أن ما نعيشه اليوم ليس زمن الرواية، وإنما زمن انتفائها واضمحلالها، شأنها شأن الملحمة، وعزا سبب ذلك إلى ما قاله واسيني الأعرج على أن دخول كل من هبّ ودبّ واستسهال الكتابة الروائية أدلة على موتٍ يمس جسد الرواية شيئا فشيئا، وينهي الكاتب بقوله أن الكتابة ليست شيئا مقدسا يصعب امتلاكه، فالكثير من الكتاب الكبار اكتشفوا الكتابة صدفة كهاروكي موراكامي وغابريال غارسيا ماركيز وغيرهم، ويمكن لأي كاتب أن يبدع في غير الكتابة، كما ليس من الحكمة أن نختزل روعة الكتابة في جنس أدبي دون آخر.

الكتاب في حد ذاته رأي محض لا يقوم على أسس أدبية، ولا يمكن اعتماده مرجعا للحكم بين الأجناس الأدبية، إن انجذاب الكاتب إلى الشعر والمقالة وتفضيلهما واضح للغاية، واعترف صراحة بكرهه للرواية حين قال أن علاقته بالرواية لا يمكن وصفها بالاستلطاف بأي حال من الأحوال، لكنه في المقابل يمدح الروائي الطيب صالح على روعة وأسلوب روايته موسم الهجرة إلى الشمال، وكأن الطيب صالح هو المقياس الأوحد للرواية العربية، وأن كل الروايات يجب أن تكون بمستوى رواية الطيب صالح وإلا فتبا للرواية، متناسيا أن الشعر نفسه فيه ما لا يرقى أن يُعدّ شعرا فهل نلغي الشعر على هذا الاعتبار؟

يعترف الكاتب أنه يحب مناوشة كل ما هو روائي، فهو يفضل الطيب صالح الروائي لأن له اسهامات في الشعر، ولا يذكر نجيب محفوظ مثلا فقط لأنه لم يكتب شعرا. العلاقة التي وصفها الكاتب بين الأجناس الأدبية علاقة غريبة، فالأصل عنده الصراع، أما إذا أحب شاعرٌ جنس الرواية وأحب روائي جنس الشعر فهذا لا يدخل إلا في خانة الاستثناء، وسماه "التصالح العميق". في اعتقادي أن الشاعر أساء إلى الشعر حين جعله مقياسا يحدد به جودة الرواية، فهذا جنس أدبي وذاك جنس أدبي آخر، وكنت أتمنى أن ينتقد الرواية من منطلق اعتبارها مكونا أدبيا قائما بذاته، ولا ينتقد الرواية بأداة الشعر والمقالة فهذا لا يستقيم.

الشعر اليوم أصبح لغة متداولة بين الشعراء والنقاد، فالشاعر يكتب قصيدة نثرية لا يفهمها إلا هو، إذ يوغل في الرمزية والغموض بينما يكابد الناقد الوسيط بين الشاعر والقارئ محاولا فك طلاسمها وتعقيداتها فيحرم القراء من تذوّق الشعر

كتّاب المقالة والشعراء حصل معهم ما يشبه الغيرة الأدبية، فإلى وقت قريب كان الأدباء أمثال عباس محمود العقاد ومصطفى صادق الرافعي يسيطرون على فن المقالة، حتى صارت حكرا عليهم لا ينافسهم فيها أحد، فالمجلة أو الصحيفة لا يمكن أن تدرج في عمودها كاتبا مغمورا أو مبتدئا على حساب أدباء ذائعي الصيت، عكس الرواية التي فتحت آفاقا رحبة لكل المبدعين والمحبين لهذا اللون الأدبي. والسؤال المهم هل اقتربت الرواية اليوم من الإنسان وغاصت في معاناته وعرّت واقعه وضمته إليها بحب؟ بينما ظل الشعر يحلق في الحدائق والمنتزهات.

 

والشعر دائما ما يحتاج إلى قضية ليقاتل في سبيلها، ازدهر الشعر القومي على الأقل مع نكباتنا ونكساتنا واحتلال فلسطين والبلاد العربية ثم غابت القضية فتراجع الشعر واحتضر، إضافة إلى أن الشعراء تصارعوا فيما بينهم حول شكل القصيدة فضاع وقت كثير ومجهود كبير، كما يُسجّل اليوم هروب الكثير من الشعراء نحو الرواية، فإن لم تكن الرواية فارضة لنفسها ولونها لما حصل هذا الرحيل الأكبر، والشعر لا يمكن أن يعبر مثلا عن البطالة وينتقد الواقع التكنولوجي الذي أفرز مشاكل عدة، فهذا ليس من طبيعته وجوهره، بينما الرواية تستطيع ذلك وبكل إبداع، كذلك شمولية الرواية التي تتجلى في إمكانية أن تمرر الشعر عبر الرواية، ولا يمكنك تمرير الرواية عبر الشعر، وفي الكثير من الروايات الرائعة تحس وكأنك تقرأ قصيدة نثرية بكل مقوماتها.

الشعر اليوم أصبح لغة متداولة بين الشعراء والنقاد، فالشاعر يكتب قصيدة نثرية لا يفهمها إلا هو، إذ يوغل في الرمزية والغموض بينما يكابد الناقد الوسيط بين الشاعر والقارئ محاولا فك طلاسمها وتعقيداتها فيحرم القراء من تذوّق الشعر الذي من المفترض أن ينساب إليهم بسهولة دون لبس، وهنا يظهر "جبن الشاعر"، على غرار "جبن الروائي"، في تواريه خلف رمزية متشبعة بالغموض والتعقيد إلى أبعد الحدود. 

وأخيرا لكل مكانته، ولكل محبوه وعاشقوه، ومن الطبيعي أن تلقى الرواية الإقبال الكبير على حساب الشعر، كما هو طبيعي أن الشعر كان هو المهيمن في الماضي لأسباب عديدة، فالألوان الأدبية لا تتغير لنفسها بل تتأقلم مع محيطها وواقعها، وهذا التنوع إن دل على شيء إنما يدل على مواصلة قطار الأدب بكل ألوانه رحلته في أغوار الإنسانية.



حول هذه القصة

يا قوم ليس مدحُ المرأة في شيء من الإحسان لها وملء مشاعرها الرقيقة، وما نراه من انحلال الفتاة وفعلها المُحرَم والمَحظور إنما هو لغياب المشاعر الحقيقية مع غياب التربية.

يبدو أن قصور القلم الروائي على مجاراة النسق العالمي وليد أمور عديدة تبدأ من الروائي نفسه وصولا إلى عدّة عوامل خارجية كالاستبداد السياسي والرقابة الأخلاقية والحدود الدينية.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة