الثورات ما بين معركة الوعي وحركة الشارع

تكمن أهمية نشر الوعي بين الجماهير لدوره الكبير في تحقيق فهم صحيح للواقع، وتحديد المصلحة العامة التي يرغب بها الجميع، بالإضافة إلى معرفة من هم الذين يشكلون خطراً حقيقياً على المجتمع، حتى إذا ما كانت هنالك أي خيارات، فإن عملية الاختيار تتم على بينة ورؤية واضحة جلية. إن الوعي الفكري الذي نتحدث عنه لا يصل عادة إلى كافة الناس، لكن لابد أن يصل إلى ثلة من الشعب، تعرف بالكتلة الحرجة اللازمة للتغيير، وهي المجموعة التي تؤثر في البقية ويتبعها الناس بعد ذلك.

   

فإذا ما أخذنا السودان كحالة، وعلى الرغم من أن الشعب يتميز بدرجة عالية من الوعي، إلا أن هناك فئة ترى أن التغيير غير مرغوب فيه. البعض قد يستنكر ويتعجب من هذه المجموعة التي لاتزال مقتنعة بأن النظام الحالي هو الأنسب، رغم تردي الأوضاع الذي لا تخطئه العين! ولعل السبب هو وجود قناعات وأفكار متجذرة لابد من تغييرها، وهذا لا يتم إلا عبر النقاش والحوار المنطقي والعقلاني بعيداً عن الاتهامات والتخوين، وأيضاً دون سخرية أو انتقاص من الآخر، بل يكون بإقامة الحجة والإقناع.

  

بعد إقامة الحجة، تبقى هناك طائفة من أصحاب الهوى والمصالح والذين يرفضون كل الحجج والبراهين لمرض في نفوسهم أو غرض في صدورهم

والسبب أن الناس مختلفون في مداركهم واستيعابهم، ومدى تقديرهم للأحداث وتحليلها وبعد النظر فيما وراء الخبر. فالطبيعة البشرية للوهلة الأولى تتأثر بالحدث عاطفياً، ولكن الاختلاف يحدث في التحليل العقلي لما بعد تلقي الحدث، وعند تقييم دوافعه ومسبباته، والناس في ذلك على درجات متباينة. ونضرب مثالاً حتى يتضح المقال: شخص يمشي في الطريق قابله شخص آخر وقال له: يا غبي! هنا رد الشخص المُساء إليه يعتمد على درجة التحليل للموقف، فيمكن أن يكون عبر رد الفعل المباشر، بحيث يتهجم عليه ويرد له بأقبح مما قال، وفي مسار آخر يمكن أن يقول ما الذي دفعه إلى هذا وهو لا يعرفني؟ لابد أن به علة ما! ويمضي ويتجاهله. هذا الفرق بين الحالتين يمكن أن يسلك الكثير من المسارات الأخرى ما بين التجاهل والصدام، ولكنه يعكس الفكرة التي نريد أن نوصلها، وهي أن درجة الاستيعاب والتحليل للأحداث ليست واحدة لدى كل الناس، لذلك لابد من مناقشة الأفكار والقناعات المختلفة للوصول للخيار الأنسب والذي نتفق عليه.

  

بعد الوقوف على أبرز التصريحات والمقالات الصادرة من الذين يدافعون عن النظام الحالي، يتبين المرء أن هناك عدداً من الأفكار تشكل قناعات لدى من يقولون بضرورة استمرار النظام الحالي ويرفضون التغيير. ويمكن قراءة هذه الأفكار في محيطها كما يلي: الحكومة الحالية هي الأنسب ولا يوجد في الساحة بديل مناسب! الثورات تؤدي إلى الدمار والخراب (سوريا وليبيا واليمن مِثالاً)! هؤلاء المتظاهرون شرذمة لهم أجندة خارجية وداخلية ولا يمثلون الشعب! الحكومة الحالية مجتهدة في الإصلاح ولابد من إعطائها فرصة! البلاد تعاني من الحصار والمؤامرات من دول خارجية وهذا تسبب في تردي الأوضاع! الحكومة الحالية إسلامية وحامية للإسلام ولن نقبل باليساريين في الحكم! لدي مصالح شخصية وسأفقد امتيازاتي إذا سقط النظام (منصبي – راتبي – مكانتي)! الانتخابات بعد عام اصبروا ثم غيروا النظام عبر الصناديق! لم نصل للحكم إلا بعد جهاد وتضحيات ونحن معنا القوة وسنستخدمها! إن هذا النظام متجذر وعميق وله العديد من الإنجازات والمشاريع ولا نريد تغييره! هذه هي أبرز الأفكار وليست كلها فتلك عشرة كاملة.

 

وعلى الرغم مما يظنه البعض من تهافت هذه الأفكار، إلا أنها يجب أن تؤخذ بمحمل الجد، إذ أن هناك فعلاً أشخاص مقتنعون بها تماماً، وهنا يبرز دور المفكرين والكتاب في نقض عرى هذه الأفكار واحدة بعد الأخرى، مع الأخذ في الاعتبار الرد على كل الشبهات اللازمة لكل فكرة، بردود واضحة ومنطقية وشافية. بعد إقامة الحجة، تبقى هناك طائفة من أصحاب الهوى والمصالح والذين يرفضون كل الحجج والبراهين لمرض في نفوسهم أو غرض في صدورهم، كما وصف حالهم البوصيري في البردة: "قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد وينكر الفم طعم الماء من سقم" إلا أن هذه الفئة سترضخ في نهاية الأمر لمطالب الشعب خصوصاً بعد تَغيُر موازين القوى، هؤلاء يشكلون ما يعرف بالدولة العميقة. وعلى أي حال تبقى معركة الوعي من الأهمية بمكان، وتوصيله ونشره هو دور مناط بالمثقفين والمفكرين وأصحاب المنابر المختلفة.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة