"وهم الأحلام".. هل يجب أن يكون الخيال منطقيا؟

الهروب لن يحل المشكلة بل ربما سيفتح أبواباً لمزيد من الخسارات. نعيش في دُنيا تركض أيامها بسرعة فائقة بفضل تطور العلوم والثقافات والتكنلوجيا، ولا تنتظرنا التغييرات لكي نضع لأنفسنا شيئاً يبقى أثرهُ بعد موتنا. لكن قرار المقاومة نحن من يتحكم به قدر المستطاع، انسجاماً مع طرق تفكيرنا وأدوات مواجهتنا المرتبطة بتحركاتنا الفعلية.

من منا لا يتعرضُ لصعوبات قد تؤثر على مجرى حياته وتُربكُ الخطوات التي وضعها لتحقيق أحلامه، حتى إن المنزَّلين من السماء – الأنبياء والمرسلين – لا يظفرون بهذه القدرات. بل حتماً أنهم يواجهون صعوبات أقسى، ويصطدمون بالرفض المستمر لرسالتهم التي قد أُرسلوا من أجلها بغض النظر عن معتقداتهم وتوجهاتهم الفلسفية. حتى العباقرة والناجحين الذين نقرأ عنهم ونرصد قصص نجاحهم كأينشتاين، لأن الحياة لها محطات مصيرية ترضينا أو قد لا ترضينا، إنما العبرة من الرضا وغير الرضا تكمنُ في الإنسان العاقل الذي يستثمر كل منهما بحكمة.

كيف نواجه المشاكل؟
الجواب المختصر هو: لا توجد مشكلة إلا ولها حل.. بل من الممكن النظر إلى شطري المشكلة، ففي الشطر الأول قُمْ بإعادة تأطير المشكلة، ويُقصد النظر إليها من زوايا مختلفة، ووضعها في سياق يؤدي إلى حلها، فهي ليست عملية خداع للنفس يتم من خلالها تبسيط المشكلة أو التقليل من نتائجها السلبية، بل هي طريقة البحث عن نظرة جديدة لموقف معين، بحيث تؤدي هذه النظرة إلى إيجاد الفرص. فالصعوبات هي عبارة عن فُرص، تقوم باصطيادها بسناراتٍ دقيقة ونستثمرها لتكون نعمةً لك لا نقمة. 

علم القيادة هنا يضعُ حكمةً رائعة، أن لكل مغامرة فوائد وأخطار "لا تركز على الأخطار وتجعلها تأسرك وتفقدك التركيز على الفوائد"

أما في الشطر الثاني فيجب عليك أن تُغير أساليبك التي لن تستفاد منها، فطريقة التفكير التي أوقعتك في المشكلة لا تصلح لإخراجك منها، استخدم أساليب جديدة ذكية ومتقنة للخروج، واترك الأساليب القديمة التي كانت في الأساس المسببة لحدوث المشكلة وبالتالي الوقوع فيها مرة أخرى. ابدأ من جديد بهمة وطاقة ترفض الاستسلام لأمر الواقع. جبران خليل جبران يقول: "هناك من يتذمّر لأن للورد شوكاً، وهناك من يتفاءل لأن فوق الشوك وردة" بالتالي تكمن المشكلة وطرق حلها بكيفية مراقبتنا لها، والصبر على النتائج يحتاج إلى شجاعة داخلية من المفترض ألا تتزعزع عند تكرار الأزمات. خذوا نفساً عميقاً وتعاملوا مع مشاكلكم بحكمة وابتسموا دائماً قدر الإمكان.

معركة الواقع
لسنا أبطال خارقين لننتصر في كل معركة، فالخسارة واردة وعلى الإنسان تقبلها وفهم أسباب حدوثها وكيف يتم التخفيف عن أضرارها. هذا الموضوع يُدخِلنا إلى عالم القيادة أي فن تحويل الضعف إلى قوة والفشل إلى نجاح والهزيمة إلى نصر، كيف نستفيد من المصاعب والأزمات والظروف القاسية ونحولها إلى مصادر للإلهام. الواقع العراقي فيه مؤشرات عظيمة من البؤس الذي ينسف المشاريع قبل ولادتها، فالصراعات الداخلية تساهم في انهيار الأفكار التي تحاول المُضي بخطوة نحو التغيير.

تأكدوا بأن الإصلاح لا يكون في بيئة هادئة، لذلك من الضروري العيش مع تجارب ريادية تعاهدت لترفع الهموم عن كاهل الشعوب، والشباب بإمكانهم معالجة الأزمات بإرادتهم إن توحدت جهودهم تحت رؤية استراتيجية واضحة. الأمر الذي يساعد الفِرق التطوعية بالتحول المستقبلي إلى مؤسسات رصينة، والأقلام الواعية بمقدورها كتابة تاريخ مشرق يمحي الظلام الدامس.. وأقول بكل جدية "خذوا أحلامكم على محمل الجد، وستصبح واقعاً مجيداً يصدح في العالم بأسره".

قصة حقيقة موصلية
علم القيادة هنا يضعُ حكمةً رائعة، أن لكل مغامرة فوائد وأخطار "لا تركز على الأخطار وتجعلها تأسرك وتفقدك التركيز على الفوائد"، فمروراً بتجربة ثورة الدنابر التي قادها شباب الموصل في العراق فهي خير دليل على قرار العودة إلى الحياة إن لم تتحرك الحكومات في ظل صمت المجتمع الدولي، فنكبة الموصل لا يُمكن معالجة معضلتها مقارنةً بحجم المساعدات الإنسانية الدولية التي لم ترى النور بعد. ربما لن يكون هناك أساساً أي تحرك فعلي بإعادة إعمار المدينة التي تعرضت لأكبر إرهاب عالمي في عام 2014 من قبل تنظيم داعش الإرهابي.

" title="نعيش في كل يومٍ حكاية بإمكاننا جعلها مُلهمة عندما نشعر بها من داخلنا، فيتحول هذا الإحساس بالمسؤولية إلى قوة جبارة تَجرنا نحو التفكير العميق بالتخلص من الأزمة التي نعيشها>" width="770″ /> نعيش في كل يومٍ حكاية بإمكاننا جعلها مُلهمة عندما نشعر بها من داخلنا، فيتحول هذا الإحساس بالمسؤولية إلى قوة جبارة تَجرنا نحو التفكير العميق بالتخلص من الأزمة التي نعيشها>

الأمر الذي أجبر شباب الموصل على إيجاد الطرق البدلية والبدء بجمع التبرعات وفتح الأزقة والشوارع، وانتشال الأرواح التي بقيت تحت أنقاض البيوت في المنطقة القديمة بعد التحرير عام 2017، ما يعطي دلالة على استمرار المقاومة الإنسانية في سبيل إعمار الموصل من جديد، وهنا ازداد الضغط على المنظمات الدولية وكتبت الصحافة عن قضية الجثث والمتفجرات، وبدأت المنظمات الدولية في إرسال الآليات الضخمة وفتحت الأزقة وانتشال الجثث وتشطيب الأرض من مخلفات الحرب.

نعيش في كل يومٍ حكاية بإمكاننا جعلها مُلهمة عندما نشعر بها من داخلنا، فيتحول هذا الإحساس بالمسؤولية إلى قوة جبارة تَجرنا نحو التفكير العميق بالتخلص من الأزمة التي نعيشها، ولنجعل ذلك في عقولنا، ربما ستتحول تجربة إنقاذنا لأنفسنا وللبشر إلى تجربة عالمية خالدة ينقلها المخلصون إلى أوطانهم كي يعالجوا أزماتهم. تذكر يا صديقي "الأمل شيء جيد، والأشياء الجيدة لا تموت أبداً مهما اصطدمت بعقبات الحياة".

سنحلم دائماً حتى وإن أخبرونا بأننا غير منطقيون
شاب فقد أمله بدراسة المجال الذي كان يحلم به طوال عمره، فأصبح مليارديراً من خلال متجره الأول الصغير الذي افتتحه لتسديد مصروفات تعليمه، ثم أنشأ جامعة دولية عالمية تتضمن مراكزاً للبحوث والدراسات واستقطاب المواهب. بعدها قرر تأسيس جمعية دولية لتمويل الطلاب الفقراء من خلال إعطائهم مِنح دراسية كي يكملوا أحلامهم، الأمر الذي أدى به لعكس مقولة "فاقد الشيء لا يعطيه".

إن ألم الواقع المرير والمجتمع ومؤسساته الحكومية وغير الحكومية والشركات الحكومية والأهلية والمشاريع المختلفة وما يسودها من فوضى وفساد ومحسوبية واستخفاف بالإنسان وكرامته وحقوقه لا يمنعُ أن نعمل ونقف ثابتين ونحاول التغيير "أوقد شمعةً بدلاً من أن تلعن الظلام ". لم يكن الكاتب الأمريكي الشهير "جوزيف كامبل" مُخطئاً عندما قال جملته المقتضبة "من العفـن تنبثق الحيـاة" out of rot comes life، ربما هي أكثر جملة تُلخص لنا كل ما جاء في هذا المقال، وتلخص الغرض الأساسي من كل الظروف السيئة التي نمر بها، واعتقدنا أنها النهاية.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة