هكذا نصبح "عملاء" دون أن نشعر!

في دولة اللادولة يتملكك الاستغراب والحيرة من مفاهيم تلقي بثقلها على مسامعك من كل مكان، لا تعلم مصداقيتها لأنها تتعارض مع الواقع الذي تعيشه، ولا شك أننا نعيش في دول عربية تشبه كل شيء إلا الدول، وتسمع كلمة "عملاء – عميل" بلا توقف، ولكن ماذا يقصد بهذه الكلمة وكيف تستخدم وأين ولماذا؟

العميل في معجم اللغة العربية هي: مَن يعامل غيره في شأن من الشؤون، ولها معانٍ أخرى بالتأكيد ولكن في السياق الذي نتحدث به تدلل على المعنى المذكور سابقاً، وجمعها عُملاء، ويوازيها في اللغة بهذا السياق كلمة أخرى وهي "جاسوس" أي الشخص الذي يعمل لصالح دولة أجنبية متمثلة غالباً في "الاستعمار". ولكن كيف تنشأ فكرة العمالة؟ وكيف نميّز أفعال العملاء؟ وكيف يستطيعون خيانة أوطانهم والتعاون مع الاستعمار؟ لو نظرنا قليلاً إلى طبيعة الحياة اليومية التي نعيشها، ستلحظ أن العملاء لا يتمثلون بالأشخاص المرتبطين بالتعاون مع الاحتلال فحسب، إنما بنظري هم المرتبطين مع أي قوة أو سلطة حاكمة ومسيطرة وبيدها قرار.

من المهم أن نعي كيف نربي أبناءنا وماذا نزرع في عقول موظفينا، وأن نستنكر الفعل الذي قد يصبح عادة سائدة تضرّ بالمجتمع ككل

فمثلاً نأخذ البيت كعينة مجتمع صغيرة، فيها سلطة حاكمة متمثلة بالأب أو الأم، تجد أن الأكثر حظاً بالاهتمام من بين الأبناء هو الذي يوشي لهذه السلطة الحاكمة أفعال إخوته وتحركاتهم وقراراتهم المتوارية عن الأنظار، ستجد أن هذا الابن الأكثر حُباً لدى السلطة الحاكمة في بيته على اعتباره يخشى على مصلحة الأسرة ككل، ثم خُذ بيئة العمل على نطاق مجتمع أوسع قليلاً وأشمل من البيت، بعدد الأشخاص أو طبيعة العلاقة التي تربطهم، مَن هو الأوفر حظاً لدى السلطة الحاكمة في العمل المتمثلة بالإدارة، هو الموظف الذي ينقل كل أسرار الموظفين وأفعالهم وأقولهم وتذمرهم للمدير/ة – وقد يكذب في كثير من الأحيان ضمن مهمة التسلق على جهد الآخر للوصول إلى قلب الإدارة الحاكمة- ولكنه سيكون الشخص الذي يخشى على مصلحة المؤسسة بنظر الإدارة!، لا تستغرب أيها القارئ من هذا الطرح، خذ قسطاً من الراحة قليلاً وفكرّ "مَن في بيتك أو عملك يعمل عميلاً؟".

وعلى اعتبار أن الفعل يصبح عادة متقبلة بعد الممارسة المتكررة له، فإن استسهال زرع فكرة العمالة في نفوس أعضاء المجتمع صًغُرَ أم كبر، تأتي بمباركة الفعل تحت أي ظرف كان، الأمر الذي سيصبح في نظر العموم أن الشخص الذي سيعمل عميلاً لدى السلطة الحاكمة صاحبة القرار، هو الذي سيكون بمنأى عن أضرارها، وفي ظل حالة الاستعمار والاحتلال فلا أسهل من أن يصبح الشخص عميلاً للقوى المعادية طالما شعر بأنه سيأمن جانبهم –وفي كثير من الأحيان يعمل الاحتلال على قتل عملائه عندما يكشف أمرهم أو ينفذون الأوامر ولم يعد لهم متسع في حسابات جيش الاحتلال أو حكومة الاستعمار-.

لذلك فمن المهم أن نعي كيف نربي أبناءنا وماذا نزرع في عقول موظفينا، وأن نستنكر الفعل الذي قد يصبح عادة سائدة تضرّ بالمجتمع ككل. ولكن مؤخراً، باتت كلمة "العملاء" تتردد على ألسنة الأنظمة العربية، سيّما في فلسطين، الدولة التي تعاني حتى اليوم من آخر احتلال بمعناه الواقعي على الأرض وهو الاحتلال الإسرائيلي، ولكن هذه الكلمة لا تطلق على المتعاون مع الاحتلال ضد مصلحة الوطن المحتل فلسطين فحسب – خاصة مع اختلاط المفاهيم بعد اتفاقية أوسلو وحضور السلطة الفلسطينية وبدء مشوار المفاوضات الذي يستنكره الشعب الفلسطيني مجملاً ويصفه بنوع من العمالة– ولكنها باتت تتردد على لسان رموز الأنظمة في توجيه اتهامات ضد أشخاص فاعلين في مجتمعاتهم، بصبغة المعارضين لنظام الحكم الاستبدادي، والمنادين بالحرية والتغير والتجديد، وذلك لإضعاف صوت هؤلاء المجددين والحد من اتباعهم، فمن العملاء بنظرك.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة