كنت ملحدا مطمئنا يا سماء!

بالأمس كنت ملحدًا مطمئنًّا، واليوم أنا أتألّم كما لم أتألم يومًا يا سماء! لقد مرّ على موتك خمسةُ أسابيع، ولستُ قادرًا على أن أقنع نفسي بأن ّجسدك البديع تأكلُه الآن ديدان الأرض، وأنّ محيّاك الجميل يفتُّته الترابُ ويستبيحُه العفَن! هل هذه هي النّهاية؟! أبهذه البساطة تختفين من حياتي يا سماء؟! أبهذه الطريقة؟! أم هل أصدق عامراً عندما قال لي أنّ جسدك سيتحول إلى تراب، وفي هذا التراب ستنمو زهرة، وأنَّك ستصيرين أنت الزّهرة؟! يومها اعتصر الألم قلبي، كنتُ أريد أن أقول له: ولكنّ الزهرة أيضاً تفنى، وأنا أريدكِ هنَا معي، بل أريدك أبديَّة الوجود، فمن كان بجمالك ورقَّتك يجبُ ألّا يفنى يا حبيبتي!

غاليتي الجميلة سماء: هل تذكرينَ جارَنا العجوز أبيضَ الشَّعر، الذي كنتِ تسمّينه بالحكيم خوخة كلّما رأيتِه من الشُّرفة عائدًا مع أكياس الخضار؟! لم أشعر بالعزاء إلا حين ضغط على يدي وهمس لي بحنان: "رحمها الله وأسكنها فسيح جنّاته وجمعكَ وإيَّاها في علّيين!" وجدتُ نفسي أطلقُ "آميييييين" في زفرةٍ عميقةٍ وحارّةٍ وطويلة.. إنه لا يعلم أنَّنا لا نؤمن بكلّ ما قاله يا سماء، لكنّه هو الوحيد من بين كل الحاضرين الذي أشعرَني أنّك ما زلتِ موجودة، أغرقت الدموعُ وجهي حينَها يا سماء، وتمنَّيتُ في تلك اللَّحظة لو كان ثمَّة إلهٌ هناكَ بالفِعل، حتّى تذهبَ إليه روحُك، فأنا لا أتحمّل فكرةَ فنائك الأبديّ، ولا يعزّيني أنّك ستتحوّلين إلى زهرة، فلقد قتَلتك زهورُك يا حبيبتي، ظلَلتِ تشترين الأصيص بعد الأصيص لتعلّقيها على حافة الشّرفة، ولم تعرفي أن الإبريز الخشبيّ العتيق كان يتآكل بفعلِ الثّقل رويدًا رويدًا! 

كم أشعر أنّي مخذولٌ وتائهٌ ووحيدٌ ومتروكٌ بلا أيّ معين، كم أشعر أنّي في هذا الكون الواسع الفسيح ليس عندي أيّ أملٍ ولا أيّ سند! أني حرٌ جدًّا في الوقت الذي أحتاج فيه ألّا أكون حراً!

كان أصيص البنفسج آخرَ ما علّقتِه، نديَّا جميلًا متفتّحًا لتوّه كتفتُّح وجهك الجميل حين تأتين إليَّ بقهوة الصّباح، لكنّك مِلتِ على الشّرفة في ذلك اليوم، لتلوحي لي بتحيّة الوداع، فهوى الإبريز بك وبزهورك كلّها من الطّابق السّادس أمام عيني! يا غاليتي سناء، لطالما كنتُ ملحدًا مطمئنًّا، كان ثمة أنتِ والآخرون في سهراتنا الجميلة، كنا نعزف الموسيقى، ونحتسي النّبيذ، ونأكل الفستق المملَّح، وكنتُ أشعر أنني أملك الكون كلّه وأنتِ معي ويدي في يدك، بينما رأفت وغالية يردّدان في تناوب مع نغمات العود:" بالي معاك.. بالي بالي بالي بالي…." فتميلينَ على جبيني لتقبّليه قبل أن يكملا.

كان كلّ شيءٍ جميلًا يا سماء، وكان ثمّة أنتِ، كنتُ أشعرُ في تلك الأيّام أن حريتي لا حدودَ لها، أنّني في هذا الكون الفسيح الواسع قادرٌ معك على فعل ما أريد، كنّا أنتِ وأنا سادة هذا العالم، نمضي السّهرات الجميلة على الأسطح المفروشة بالبسط الملوّنة والوسائد، نرقص في الحفلات، أو نقبّل بعضنا البعض تحت ضوء القمر على ظهر سيارتنا المركونة في البريّة. كنت أشعر أني مستغنٍ بك وبنفسي عن كل شيء، ولم نكن بحاجة لأي إله، وكانوا حولنا دوماً حين نريد، سمير ورأفت وغالية ووداد وعامر، كلّ منا كان يعيش سيداً في عالمه الخاص، وحين كنا نلتقي كنّا نشرب نخب سعادتنا المطلقة أحيانا، أو نناقش همومنا الصغيرة أحيانا أخرى..

 

لكن وجودهم معي الآن صار ثقيلاً مملّاً بائساً، إنهم طيبون، نعم، وهم لم يتركوني في الأيام الأولى لرحيلك، تناوبوا على السهر معي، لكنهم لم يستطيعوا قول كلمة عزاء حقيقيّة واحدة! كل ما كانوا يفعلونه هو محاولة منعي من تذكرك، لكنّ جسدك البارع لم يغب عن بالي لحظة واحدة وهو يهوي أمام ناظري من ارتفاع الشّرفة الشاهق، ولم يغب عن بالي دمك الذي تحوّل خلال ثوان قصير إلى بركة حمراء واسعة حارة يتصاعد منها ما يشبه البخار، وحولك الأصص المكسورة والزهور الملونة والبنفسجةُ الجديدة التي قتلتكِ، في تلك اللحظة يا سناء انهار عالمي الذي كنتُ سيده فوق رأسي، وتحوّلت حريتي المطلقة إلى همّ كبير! أنا غير قادر على مواجهة رحيلك هذا وحدي يا حبيبة، لو كان ثمّة إله في هذا الكون كنتُ لأشعر أني محميّ، آمن، محاطٌ بالرحمة، لكنّ هذا الكون موحشٌ جدًا بدونك، وموحشٌ أكثر بلا إله يصبّرني وجوده على غيابك عني! لو كان ثمة الإله الذي يتحدّثون عنه يا سماء لعرفت أنّك في مكان ما، وأن جسدك وإن كان يتلاشى في التراب، ولكنّ روحك ترفرف في بقعة ما خالدة في هذا الكون، خارجة عن حدود الزمان والمكان اللّذين نعرفهما…

آه يا سماء، كم أشعر أنّي مخذولٌ وتائهٌ ووحيدٌ ومتروكٌ بلا أيّ معين، كم أشعر أنّي في هذا الكون الواسع الفسيح ليس عندي أيّ أملٍ ولا أيّ سند! أني حرٌ جدًّا في الوقت الذي أحتاج فيه ألّا أكون حراً! بعد أسبوع من رحيلك يا سماء توقّفوا عن النّوم عندي، وصرتُ أُترك لأنام وحدي في بيتنا، لن تستطيعي تخيلَ ثقل اللّيل على صدري عندما يرحلون، عندما يسكن كل شيء، وتحلّ العتمة، ويشحذ الألم أحدَّ سكاكينه!

كنتُ أتكوّر على نفسي، أخبّئ جسدي تحت الغطاء، أغمض عيني، وأحاول الهرب من هذا الشّعور، لكن كيف أهربُ منه يا حبيبتي وهو ههنا في صدري، يقبع بين عقلي وقلبي؟ هل هي التي يسمّونها الروح يا سناء؟! هل هي التي تتألّم؟ أشعر بها ههنا بين عقلي وقلبي مثل امتداد غامض عميق سحيق، مثل شبكةٍ حريريّة، أو مثل هلامٍ متحرّك لا يكفّ عن الارتجاف، أشعر أنّ أنفاسي تحت الغطاء تمرّ من خلال هذا الهلام الغامض، وعلى سطحه تتموّج أفكاري وأصواتي الدّاخلية وذكرياتي ومشاعري…

منذ بدأت تلك الأسابيع الخمسة الطويلة، ومذ أيقنت أن لا أحد، ولا أيّ أحد، ولا أيّ شيء، قادر على أن يسكت في قلبي هذا الوجيب الذي يناديه دون توقف!

أشعر به مهيمنًا عليّ الآن كما في كلّ ليلةٍ يا حبيبة، أشعر أنّه يُغرق عقلي في غيبوبة من الألم والشّوق الحارق والفقدان، فأشهقُ نحيبًا، ويرتجف هذا النّسيج الغامض في صدري باضطراب… كم كنت غبيا يا سماء حينما ظننتُ أنّني قادرٌ على مواصلة الحياة وفهمها بعقلي وحده! نعم، في وضح النهار يكون هذا سهلا، لكن في الليل، حين يسكن كلّ شيء، أصغي إلى وجيب فؤادي فأشعر أنّه يتمدّد ويتّسع ليهيمن على كلّ وجودي، وأفقدُ قدرتي على التّفكير بوضوح، وتسيطر عليّ المشاعر، وأحسّ أنّني أدرككِ بقلبي لا بعقلي يا سناء! وبعد فقدي لك صرت أدركُ بذات الطريقة أشياء أخرى كثيرة! فكيف يكون العقل سيداً على العاشق يا سماء؟! هل تستطيعُ أن تقنعَ العاشق بالمنطق أن يتوقّف عن حبّه؟ وهل سيستطيع أي منطق أن يقنعني عن أن أتوقّف عن الشعور بما أشعر به الآن؟ أنا فقدت إيماني بالروح منذ زمنٍ بعيدٍ يا سماء! لكن ماذا يكون هذا الذي في صدري إن لم يكن هو الرّوح؟!

إنه يحضرُ كلّ ليلة منذ خمسة أسابيع ليجعلني أحسّ بأنّ كلّ ما أؤمن به مزيّف وهشّ وغير حقيقيّ، وبأنّ لهذا الذي في صدري – والذي قد يسمونه روحاً- بديهيّاته المختلفة، ومن بديهيّاته يا سماء أنّك في مكانٍ ما، وأنّك لن تذهبي للفنَاء، وأنّني لستُ وحدي في هذا الكون الواسع ولستُ سيدًا عليه، كانت طويلة جدا هذه الأسابيع الخمسة يا سماء، وأنا الآن لم أعد أريد أن أكون حرًّا، ليس بعد الآن، أريد أن أستسلم لهذا الإله الرحيم الذي حدّثني عنه العجوز، أريد أن أشعر أني محمي ممن هو أقوى من كل شيء لينتشلني من ضعفي وعجزي الذي أحسّه الآن، أريد أن أشعر أنّي محاط برحمةٍ أكبر من كلّ رحمةٍ في الكون، أكبر من تعاطف عامر ورأفت وهم يعزفون على العود ليجعلوني أنساك، منذ خمسة أسابيع وأنا أقاوم يا سماء، لكنني أريد أن أستسلم الآن لهذا الذي يتملكّني وأنا متكور تحت الغطاء، لم أعد قادرًا على تحمّل كل هذا الألم وحدي، لم أعد قادرًا على التظاهر بالقوّة بعد الآن، لم أعد قادرًا على أن أنكر هذا الوجيب العالي في صدري والذي يخبرني بأنّه هناك، نعم هناك..

وفي كل مكان، بل وهنا أيضا، في قلبي، أشعر أنّه معي الآن…. لطالما كان إنكار ذلك سهلًا جدّا حين كنتِ معي وحين كنا نحتسي الخمر ونأكل الفستق ونضحك بملء أصواتنا في عربات الملاهي، لكنّه لم يعد كذلك مذ هزني رحيلك، منذ بدأت تلك الأسابيع الخمسة الطويلة، ومذ أيقنت أن لا أحد، ولا أيّ أحد، ولا أيّ شيء، قادر على أن يسكت في قلبي هذا الوجيب الذي يناديه دون توقف!

حبيبتي سماء… لا أتحسر الآن على شيء إلا على أنك لست معي في هذه اللّحظة، وأنا أسَلِّم … أخيرا… وأستسلم… وأشعر لأول مرة.. منذ زمن بعيد… بالطمأنينة…. تملؤني…..



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

عديدة هي المواقف الّتي نشهدها كأطبّاء ونحن ننسحب بصمت أمام وقع الموت، بعد استنفاذ كلّ جهود التدخّل والإنعاش لنقرّ في النّهاية بعجزنا ونعترف بحقيقة لا مفرّ منها.

صدفةً أعلَمني أحدُهم في حديثٍ، كانت الرشفة تُودع حافة الفنجان حين حَطَت في فمي، لكنها المسكينة كان مآلها الثرى حين حط الخبر على رأسي. لم أقوى على إسكانها جوفي فلفظتها..

الأكثر قراءة