الحراك الثوري بالسودان وأفقه الثوري

لما انطلق الحوار الوطني بالسودان الذي كان من المفترض أن يكون مخرجاً للبلاد يجنبها الانفلات والتأزم، كان العقل السياسي يرى في مشروع الحوار الوطني منفذاً مغاير لمآلات الربيع العربي أو هكذا كان العقل السياسي السوداني يتصوّر دون مراعاة أو تحسس لسنن الله في التاريخ وعبره الخالدة.

  

كتبت لمّا انطلق الحوار الوطني مقالا لمدونات الجزيرة بعنوان (هل الحوار والثورة متضادان)، خلاصة ذلك المقال كانت أنه لابد للعقل السياسي من استصحاب روح الثورة وأنه لن ينجح حوار مع نظام قمعي دون روح جماهيرية تمتلك إرادة قوية تدفع باتجاه التنفيذ الصارم لمخرجات الحوار وأن الحوار لا ينفي شرعية الثورة. وها قد أخلف النظام ونسف كل ما اتفق عليه بمخرجات الحوار الوطني ودمر كل طموح بنجاح مشروع الحوار، وها هو الشارع السوداني الذي تخنقه الأزمات يفرض قراره بشرعية وسلامة الخيار الثوري، فهل أحرج الشارع كل القوى السياسية التي انخرطت في الحوار؟! نعم أحرجها، وهكذا دائما عواصف الأخلاق تركع حسابات الساسة. بيد أنني أذكر كل النخب السياسية بما هتفنا به منذ سنين بعدم معاكسة سنن الله في الأرض.

 

الشعوب لا تموت أبداً مهما بدا أنها خاملة فهناك لحظات تعصف فيها بالطواغيت عصفاً لا يمكن إيقافه

إن الحق الذي لا مناص منه هو أن أزمة السودان في جوهرها ليست اقتصادية بل هي أزمة دستورية وسياسية عميقة تتمثل في غياب الحريات واستشراء الفساد وغياب أدنى مقومات الحياة السياسية فالبشير ينفرد بالسلطة منذ ثلاثين عاماً وكما يقال فإن من يرى الأزمة بالسودان أزمة اقتصاد لا أزمة سياسة ودستور (كمن ينظر للفيل ويطعن في ظله) أو كما يقال.

  

يمكن تلخيص الأفق الثوري بالآتي:

أولا: ما دامت هناك مشكلة دافعة للثورة فلن تموت الثورة، وما دام هناك نظام مستبد فالثورة امر حتمي ولن نتعجل ابداً ولن نيأس مهما بدا عكس ذلك، والشعوب التي ذاقت روحاً من الحرية يوماً ستراودها ريحها مراراً.

 

ثانياً: النظم الاستبدادية عندما تسقط في قلوب الشعوب وتنهار بنبتها وحاضنتها الاجتماعية فهو إذان حتمي بقرب الفجر، وهذا ما حدث بالضبط في هذا الحراك الثوري الذي شهده المجتمع السوداني فلا وجود الآن للنظام في جمهور الامة الإسلامية كلها فضلا عن وجوده في السودانيين.

 

ثالثاً: كتب الله غلبة الظالمين وهلاكهم وهذا إيمان قطعي تؤكده سنة الله وشواهد التاريخ والواقع وما القذافي وصالح وغيرهم منا ببعيد.

 

رابعاً: الشعوب لا تموت أبداً مهما بدا أنها خاملة فهناك لحظات تعصف فيها بالطواغيت عصفاً لا يمكن إيقافه.

 

خامساً: النخب السياسية تموت فيها الأخلاق والجماهير هي التي تفرض قرارها على نخبتها السياسية التي غطى عليها الجبن والتربص والخوف.

 

سادساً: الدولة المستبدة الآفلة آخر ما تحتمي به هو أقرب اطواقها الأمنية، وما تحشده الدولة من قوة إنما هي افاقة قريبة الخمود، فهي انتفاشة الزوال الأخير.

 

سابعاً: من عوالم زوال الظالمين فضحهم عالمياً فما يكون لهم من كذبة إلا وتصبح محلاً للسخرية والترف الذهني، مما يدل على غباء المستبد.

 

كل ثورة سلمية يسعى المستبد لتحويلها لحمام من الدماء عبر استدراج الثوار للعنف باستفزاز مشاعرهم عبر القتل والتنكيل

ثامناً: المستبد في آخر أيامه يغدو كالمجنون ويروح فاقداً للبصيرة ويخبط يمنة ويسرى كأنه مخمور يتيه بين الجدران.

 

تاسعاً: النخبة السياسية التي لا تعي روح الثورة تبور في حركة الزمان، والثورة التي لا يقودها عقل نخبوي ذو هدف تتحول لحرب عدمية.

 

عاشراً: عادة ما تبدأ الثورات بمطالب الأبدان لكنها ما تفتأ تنعكس لروح الإنسان فتصبح ثورة كرامة وحرية وتسترخص الموت في هذا السبيل، ومع الوقت تكتسب نضجها السياسي. فالوعي السياسي دون خوض التجربة إنما هو تنظير يهيم مع إيماننا بضرورة التنظير.

  

إحدى عشر: من أكبر معالم زوال الاستبداد انهيار حاضنته الفكرية التي تسوغ ظلمه وتبرر إجرامه، وهذا ما شهده الساحة السودانية في السنين القليلة السابقة وبصورة كثيفة في ظل هذه الانتفاضة المباركة، فلم يعد الشعب تقنعه أساليب التدين المغشوش الذي يحبب الفقر للناس ويدعوهم للذلة والخضوع، بل تشربت ذوات بالإسلام الثائر وسقط بشكل كبير منبر المطبلين للطواغيت.

   

اثنى عشر: كل ثورة سلمية يسعى المستبد لتحويلها لحمام من الدماء عبر استدراج الثوار للعنف باستفزاز مشاعرهم عبر القتل والتنكيل، والثورة السلمية الواعية مهما حاول المستبد تطويعها للعنف تزداد سلمية حتى لا يشعر الاستبداد بأي شرعية للبقاء ويفقد كل مبررات الإجرام، وبذلك تكون الثورة ماضية في طريقها الصحيح حتى تنتصر وتبدأ مراحلها الأخرى والتالية من البناء السياسي وتأسيس دولة القانون التي تستوعب الجميع.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة