كيف شوهت "النسوية" مفاهيم الأنوثة؟

blogs مرأة

كثيرًا ما أفكّر في معنى "الإنسان" كيانه روحًا وجسدًا وعقلًا، حاجاته وما يؤول إليه إشباعها أو نقصانُها، ما يرغب به ويبتعدُ عنه، قوّته وضعفه، ما يشترك فيه مع غيره الإنسان، دون تفريق في جنسه، في جمعٍ لا تصنيف فيه، بدءًا من ذاتي إلى الغير. في واقع عملي الذي يقتضي أن أُعايش أطفالًا من الجنسين، كثيرًا ما أكون قاصدةً ملاحظةَ ما يجمعهم بصفاتٍ مُشتركة كإنسان، قبل أن يفرّقهم جِنس. وكثيرًا ما فكّرت في الإناث منهنّ مُؤخرًا، وقُربهنّ إلى صفاء الإنسان وفطرته، بمقابل ذكورةٍ بدأ مجتمع بتشويهها وإبعادها عن معنى هذا الإنسان وفطرته.

 
"كلهنّ فيهنّ تلك الصغيرة" تعقيب كان على صورة شابّ في مقتبل العُمر يُقدّم زهرة صغيرة لطفلةٍ بعد أن ثنى ركبتيه ليكون قريبًا منها. كان شيئًا صادقًا ومعبرًا جدًا، لا أنكر ذلك، كُلّنا فينا تلك الصّغيرة التي تفرح بوردة صغيرةٍ وابتسامة، باهتمامٍ صغيرٍ وتذكُّرٍ لشيء عابرٍ من تفاصيلها، وربّما هكذا كل إنسان. ثمّة مشهدٌ يفوتني إذاً تأخرت في خروجي إلى عملي في حدود دقيقتين عن المعتاد، أبٌ ينزلُ إلى الشارع الرّئيسيّ بصحبة طفلته، يمشي خطوتين في بداية الشارع لتُكمل الطّفلة قطعه وحدها، كلاهما مُبتسم أثناء النزول إلى الشارع وقطعه، تلتفتُ الصّغيرة إليه بعد أن تُنهي قطع الشارع وتبتسم له، يبتسم هو بدوره ويلوّح لها بكل العفويّة والتلقائيّة التي تُشعِرك أنّك في "فيلمٍ" دراميّ أسريّ حميميّ يتنقّل من ردة فعلٍ إلى أخرى..

تُكمل هي طريقها وتلتفت مجددًا لتطمئن أنّ نظراته ما زالت تُلاحقها، خلال ثوانٍ معدودة بعد هذا، يركب الأب أوّل سيارة أجرة تقف له، ويتكرر المشهد يوميًا بابتسامة الأب التي لا تخفت، وفرحة الطّفلة أثناء النّزول، وطمأنينتها بعد الالتفات. أذكر ذات صباحٍ أنّني أحسستُ بذعر الطّفلة على بعد أمتار عندما التفتت التفاتتها المعتادة تلك فلم تجد أباها فجأة؛ لأنه وجد سيارة أجرة في ثانيتين بالصدفة وصعد مُبتعدًا، ذعرٌ غيَّرَ كل ملمح من ملامحها فأصبح وجهها كصفيحةٍ مُسطّحة غير مفهومة، وجعلها تدور دائرة تامّة حول نفسها، وتمدّ رأسها يمينًا وشمالًا بحثًا عنه. وهُنا تأكدت لي حاجتُنا البشرّية، كبارًا كنّا أم صغارًا، إلى الطمأنينة عبرَ نظرة مُحب يخشى شيئًا ما يخصّنا، قد لا نفهم ما الذي يخشى منه أساسًا، إلا أننا نحتاجُ تلك الطمأنينة.
  

دومًا ما يكون لدى الأنثى – سليمة الفطرة – شعورٌ بالأمومة تجاه كل شيء فعلًا، أنها في هذا الحدث هي المُقدِّم المُبادر، أنّها في ذلك الموقف قد تكون المُنقذ لا سِواها، أنها بحاجة لمن يحتاجُ إليها..

أفكّر في رسائل الفتيات الصغيرات اللواتي أدرّسهن، كيف أنّ بعضهنّ يكتبن لي بعض الرسائل التي يعبّرن فيها عن حبّهنّ لمُعلّمتهنّ، ثمّ يُعقّبن: "هل تحبينني أيضًا؟" وفراغ، ثمّ: "ضعي هُنا الإجابة بنعم أو لا". وأقول في نفسي: رُبما كُلّنا فينا هذا الإنسان الذي يحتاج أن يبادله من يحبّ حبَّه، ألّا يُشقيه إرسالٌ دون استقبال على بساطته، ألا يشعر بكثرة العوالم حوله وغربتِه في خاصّته. يَظهر هذا في روح الطّفولة التي تُطمس مع السنين والكتمان والتقريع، فلا أحاول أن أكون إحدى العوامل المُساعدة على هذا. وأرى الأنثى تظلّ أقرب إلى صفاء تِلك الرّوح، أكثر من تكون بحاجة إليه، أكثر قُربًا من إنسانيّةٍ لم تطحنها الأيام، أو ربّما فعَلَتْ فعلتها في كثيرٍ منهنّ. والتي بدورها – هذه الأنثى- لم تسلم من هذا في وقتٍ لاحق من أنوثتها، فأصبحت في عصرنا توصم بالضعف إذاً اشتاقت أو حنت أو أحبّت، فهي لم تعُد فتاةً مستقلّة قوية!

أجل، فالأوْلى ألا يُسيّرها شعورٌ بل أن تجمع المال وتسافر العالم وحدها وتُثبت للجميع أنّها ليست بحاجة إلى أحد. وفي الواقع، كُلّنا، ذكورًا كنّا أو إناث، بحاجة إلى أحدٍ ما لتعزيز شعورنا بالدّفء على هذا الكوكب، أو تخفيف برده القارس. ولا أعجبُ من الكثيرات اللواتي حملنَ راية الاستقلاليّة من هذا المنظور جاهلاتٍ بأنوثتهنّ وحقيقة فطرتها الأقرب ما تكون إلى "إنسانيّة". على أنّه في هذا كلّه قد صدق الرّافعي حين قال: "إلّا أن المرأة تأبى أن تكون ضعيفة أو تُقِرّ بالضعف، إلا إذاً وجدت رجُلَها الكامل، رجُلَها الذي يكون معها بقوته وعقله وفتنته لها وحبها إياه، فإذا لم تُصِب المرأة رجلها القوي لم تستطع أن تكون معه في حقيقة ضعفِها الجميل.."

وأظنّهُ عنى الشيء نفسه حين قال: "في داخلها منك شيء تحبّ ألا يظهر لك، وتحبّ أيضاً ألا يخفى عليك" ربّما هو ضعفُها ذاك الممزوجُ بحُبها وحاجتها، مُغلّفًا بقوّة لا لشيء في باطنه – وإن كان في ظاهره متعدد الأسباب – إلا لأنها تخشى أن يُفهَم خطأً أو يُستغلّ، حُبٌ وحاجةٌ تُريد أن يرفعانها وذاك الرّجل سويًا بدلًا من أن يهدمانِها وحدَها. ولا أحسب كل تلك النسوية – التي لم يفهم صاحباتُها ذواتهنّ بالوصف السابق – إلا انشقاقًا عن معنى الأنوثة في سموّها وفطرتها، فـ "أول مهمات الأنثى: أمومة الأشياء، أمومة كلّ شيء، وما أقدس ذلك!". لنقُل أنه دومًا ما يكون لدى الأنثى – سليمة الفطرة – شعورٌ بالأمومة تجاه كل شيء فعلًا، أنها في هذا الحدث هي المُقدِّم المُبادر، أنّها في ذلك الموقف قد تكون المُنقذ لا سِواها، أنها بحاجة لمن يحتاجُ إليها، أن يستند بها قلبٌ ما ويكون موصولًا بقلبها.

أذكُر في هذا أحد الأيام الدّراسية الأولى من هذه السنة، عندما رأيتُ إحدى طالباتي بعينين دامعتين أمام الإذاعة المدرسية، فسألتها عن السبب، فقالت أنّها أوّل إذاعة مدرسيّة لأخيها في الصّف الأول، وأنّها سعيدةٌ بعفويّة حركاته تلك في أدائه، ولكونه أصبح معها في المدرسة ذاتها. رُبّما لم أفهم هذا الشّعور جيّدًا هذه المرة، لكنني لم أملك إلا أن احتضنها مُبتسمة، علّني أفهم هذه "الطفلة الأمّ" وباعث تلك الدمعات يومًا ما! كل هذا ليس صورًا من صورة إيثار الأنوثة على غيرها، وإن كُنّا في مجتمعٍ يقولبُنا بأبعادٍ أبعد ما تكون عن الإنسان، ذكورًا كنّا أم إناث..

كل هذا لا يعدو عن كونه صورةَ من صور الكمال منها وإليها، أعني الرجولة، وعجيبةٌ تلكَ المرأةُ التي لا تَرى كمالَ ضعفِها إلا في كمالِ قوّةِ الرّجلِ الموصولِ بها، لا تتلمّسُ صورةَ البهاءِ من حُسنها إلا في نبضِ الحبّ الصّادرِ من نورِ عينيه، ولا تتحسّسُ روعةَ الحياةِ إلا في سرّ البسمةِ المرسومةِ على شفتيه. ففي "طاقة" الأنوثة صفاء وسكون وإنصاتٌ لحديث يطول عن جمالٍ يُحَسّ أكثر مما يُقال.