آلام الوحدة

للوحدة آلام لا يعرفها سوى من كابدها. والوحدة لا تعني فقط أن تعيش وحيدًا في حيز مكاني محدود، بل تعني كذلك أن تعيش مع أناس تكابدهم لا تعايشهم. والوحدة تعني كذلك أن يكون لك إخوة ومعارف لا يكترثون بوجودك واحتياجك لهم، فضلاً عن أن يحرّكهم أيّ اشتياقٍ أو رغبةٍ في التواصلِ معك أو اهتمامٍ بك. الوحدة هي ألاّ يكون لك أحبابٌ كما قالت نجاة الصغيرة: "بحلم وأغنّي لحبيبي وفين حبيبي.. ما ليش حبايب يا عيني وأنا نصيبي."

 

الوحدة ليست أن يكون لك حبيب ثمّ تفقده، فتكرَب لفقده. الوحدة ألاّ يكون لك حبيب أصلاً. والحبيب أُنسٌ وسكن، فالوحدة هي ألاّ يكون لك أُنسٌ وسكن. الوحدة تعني أن تظلّ في محاولاتٍ مستديمة لتعويض ما تعانيه من وَحشة دائمة. أنت بحاجة دائمة لمسكناتٍ تجعلك تتحمّل هذه الوحدة، تجعلك تصبر على مرور الأيام بلا رفيق.

 

الوحدة تعبّر عنها الكلمات الآتية التي كتبتها يومًا على فيس بوك: "هل تعلمين ما الفقد يا صفية؟ الفقد ليس كما يقول النّاس أن يكون لك عزيز، قد يكون أبًا أو أخًا أو زوجًا أو صديقًا، فإذا مات، فقدتيه. لا يا صفية! الفقد هو أن يكون لك أبٌ ولكنّك يتيمة في حياته، وأن يكون لكِ أخٌ ولكنك لستِ أكثر من اسمٍ يشاركه بيانات شهادة الميلاد، ثمّ يكون لك زوج يا صفية يخذلك في كلّ موقف وكلّ محنة تمرين بها حتّى لا تعودين تعاملينه سوى طفل لا يشارك الأطفال براءتهم ولكن يشاركهم الإعفاء من المسؤولية. ثمّ تتمنين بعد ذلك صديقًا أو صديقة تبثين له أو لها بعضًا من شجونك فلا تجدين، لأنّ كلّ معارفك يعلمون أنّ لديك أبًا وأخًا وزوجًا. هذا هو الفقد يا صفية، أو فلتقولي هو الفقد المركّب." (منشور بتاريخ 24 مارس 2017).

 

الوحدة أن تعيش وحدك بين جدران أربعة، لا أحد يتفقدك. يتعطّل هاتفك، فلا أحد يتصّل بك، وإن كان هاتفك صالحًا، فلا أحد يتفقدك كذلك

الوحدة هي ألاّ تحزن على فراق أحد، لأنّه لا حبيب تجزع لفقده. الوحدة هي البحث الدائم عن المعوّضات؛ تعوّض وحدتك بأنشطة مختلفة: بالفنّ وبالموسيقى، وبالأشياء. حين يختفي النّاس من حولك وتصبحين وحيدة، تفقدين التوازن، وتصبحين كمن يمشي على حبلٍ مشدودٍ بين طرفين. التوازن في هذه الحالة من الصعوبة بمكان، فلا يوجد من يحملكِ، أو من تستندين له أو من تتفيئين ظلاله.

 

الوحدة هو ألاّ تستطيع البوح، ألاّ تستطيع البوح بوجعك، وألاّ تستطيع الفرح، لأن من أمامك قد لا يكون فرِحًا لك كما تريد. قد يُظهِر لك وجهًا فرحًا ثمّ يُظهر لك موقف آخر أنّ في قلبه حسد على ما أنت فيه، وأنّه لم يحبّ لك الخير كما كنتَ منفتحًا عليه، منطلقًا وكاشفًا عن جميع مشاعرك له. عندما تفقد نعمة كان يحسدك عليها، تلقاه يعطيك كلمات رثاء باردة وكأنّه كان "يستكثر" عليك ما كنت فيه. إذا شكوتَ له أنّك "وحيد" وترجوه أن يكون معك، يقول لك: "عندك نفسك" إنه يستكثر عليك حتّى نفسك!

 

الوحدة هي أن يكون لك إخوة لا يسألون عليك، وأن يكون لك معارف لا يصادقونك، وأن يكون لك أصدقاء لا يزورونك. الوحدة ألاّ تجدلك أصدقاء حين يحدث في حياتك حدث يسرّ، لا تجد أصدقاء يفرحون لك ويكونون بجانبك. الوحدة أن تعيش وحدك بين جدران أربعة، لا أحد يتفقدك. يتعطّل هاتفك، فلا أحد يتصّل بك، وإن كان هاتفك صالحًا، فلا أحد يتفقدك كذلك. الوحدة أن تكلّم نفسك دون خشية أن يسمعك أحدهم فيظنّ بك الجنون، أن تحاسبَ بصوتٍ عالٍ من تعتقده ضيّع حقّ عشرتك، ثمّ تجهش بالبكاء، فلا أحد يسمعك. أن تصرخ بكلّ ما أوتيت من قوة صوت، ولا تخشى أن يأتي أحدهم فزعًا من صوتك فلا أحد بجوارك، أن تمرّ الدقائق والساعات والأيام ولا أنيس لك سوى صوت الأغاني القديمة في الإذاعة التي تخفّف هذه الوحشة التي تعيشها.

 

الوحدة أن تفزع إن طرق أحدهم بابك، إن كنت سددت فواتير بيتك ولا تظنّ أنّ القادم هو محصّل الكهرباء أو الغاز أو المكوجي. الوحدة أن تشعر بكربٍ عظيم إن تعطّل هاتفك أو نفذت باقة هاتفك، وأن تتفقد تطبيق الرسائل كلّ ساعة أملاً أن تجد رسالة من غريبٍ أو قريب تشعرك أن هناك من يذكرك. الوحدة أن يطرق ذهنك احتمال أن يُقضى أجلك فلا يشعر أحدهم بذلك، ويظلّ جثمانك ليالٍ وحده. الوحدة أن يتصلّ بك أحدهم، فيسألك: "هل استيقظت للتوّ؟" فتجيب أنّك مستيقظ منذ ست ساعات، لكنّ صوتك بدا كأنّك كنت مستيقظًا للتوّ لأنّك لم تتكلّم مع أحد. الوحدة ليست أن تعيش وحدك، بل أن تعيش مع "الوحدة" والوحدة "غول" يعيش معك، تصرعه مرّة، ويصرعك مرّات.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

– كتبت هذه التدوينة في 30 ديسمبر 2017 وللتاريخ دلالة.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة