هل أضحى تعليم الأبناء مكلفا إلى هذا الحد؟

blogs - school class

لا يختلف اثنان حول أهمية الإنفاق على التعليم، فقد أصبح يُعد واحداً من أهم المعايير التي تُترجم اهتمام الحكومات بهذا القطاع من أجل النهوض به وتطويره وتجويده، وهو أمراً ملحوظاً لدى الدول الكبرى التي تنفق عليه بسخاء. أمّا بالنسبة لنا فإن حكوماتنا لا تزال مقترة في التعاطي معه، وحتى إن توفرت السيولة المالية لديها، فإنها في الغالب ما تكون طارئة وخادمة لهدف عابر مُستجيب لمؤثرات خارجية وآخر من يستفيد منها الفصل الدراسي والتلميذ.

في ظل هذا الشح المستحكم في عقلية المسؤولين وإصرارهم على اعتبار التعليم قِطاعاً غير مُنتج وما أفرزه هذا الوضع من لامبالاة واستهتار بمصير أفواج من المتعلمين التي تُدفع دَفعاً نحو الضياع، كان على أولياء الأمور أن يُبادروا إلى حماية مصالح أبنائهم بأنفسهم ويستنفروا جل إمكاناتهم المادية حتى لو كانت متواضعة، كي يسدوا ما أمكنهم ذلك مكان الدولة الشاغر بعد استقالتها النهائية من مهامها في تربية أبنائهم وتكوينهم. نتيجة لذلك فقد شهدنا طفرة نوعية في إنفاق آباء وأمهات التلاميذ وخصمهم نِسباً كبيرة من أجورهم سعياً منهم نحو ضمان تعليم جيد لأبنائهم بديل لما تُقدمه الدولة في مدارسها العمومية.

وهكذا تناسلت المدارس الخاصة وازدهرت الدروس الخصوصية وظهرت أيضاً أشكال مختلفة تُقدم المعرفة للمتعلمين في ثوب تجاري تحقيقاً لهذا الهدف، حتى أصبحنا أمام سوق متنامٍ يجري فيه تنافس شديد بين مختلف المدارس الخاصة التي باتت تجتهد في الترويج لبضاعتها وفي تجديد منتوجها. مما جعل من مجاراة إيقاع عرضهم مُرهقاً خصوصاً بالنسبة للطبقة المتوسطة. أمّا من يجازف من الفئات الفقيرة في الدفع بأبنائه لهذا النوع من التعليم فهو يُقدم على انتحار حقيقي.

لم تأخذ المدارس الخاصة من الطرائق التربوية الحديثة إلا القشور، ولم تتمكن من النفاذ إلى جوهرها حتى أصبحت الأساسيات مهددة.

الحقيقة أننا بصدد معادلة ترسخت في الآونة الأخيرة حتى أضحت مُسلّمة يقبلها الجميع، من المختصين في المجال التربوي إلى عموم المجتمع، حيث أن جودة التعليم باتت مرتبطة حصراً بحجم ما يَدفع الآباء من جيوبهم، فكلما دفعوا أكثر، كلما ضمنوا لأبنائهم تحصيلاً دراسياً أجود في معادلة كمية مختلة. ما يجري في الواقع هو أن المجال التربوي قد أُقحم في السوق التجارية وهو ما يعني أن الجانب التربوي قد تم رهنه لآليات السوق وميكانيزماته وما عاد بإمكانه تحديد حاجياته وأولوياته باستقلالية تامة كما كان فيما مضى.

لذلك فإن عددا من الظواهر السائدة في ميدان التعليم اليوم لا تحمل تفسيراً تربوياً صرفاً مثلما يتوهم الكثيرون.حيث أن ارتفاع كلفة هذا النوع من التعليم لا يعني أننا بصدد إضافة حقيقية جديدة، فما دام الإقبال واسعاً ويتنامى لدى أولياء الأمور بشكل غير عقلاني فستستمر الفاتورة في الارتفاع، هذه مسألة بديهية في منطق السوق، وتزداد فداحة حين يكون هذا السوق غير شفاف وغير نزيه مما يجعل من ترويج السلع المغشوشة وبيع الوهم أمراً ميسراً، وهذا ما يحدث عملياً حين يُعاد استهلاك ذات العرض التربوي بعد تلميعه وتسويقه. ثم إن ما يزيد في تفاقم هذه الظاهرة، هو استغلال كثير من أولياء الأمور لمسألة الإنفاق على تعليم أبنائهم للتباهي والسعي لإثبات ترقيهم الاجتماعي، مما يجني عليهم وعلى أبنائهم، فيسهل استغفالهم وتُصبح كثير من الممارسات التعليمية استعراضاً أجوفاً بغرض إشباع هذا الجانب لدى الأسر لتبقى المعرفة بعمقها في وادٍ وما يلقن في وادٍ آخر.

ذلك أن طبيعة المعرفة لا تحتمل أن تتحول إلى عروض تجارية خفيفة، وعملية التعلم عملية مركبة تتعامل مع عقول بشرية وليس مع آلات، مما يصعب قياس مردودها قياساً آنياً خصوصاً حين نتحدث عن المعرفة المجردة التي لا يمكن لأثرها الباهر الذي يعد به القطاع الخاص وينتظره الآباء من أبنائهم أن يتحقق بتلك البساطة. لم تأخذ المدارس الخاصة من الطرائق التربوية الحديثة إلا القشور، ولم تتمكن من النفاذ إلى جوهرها حتى أصبحت الأساسيات مهددة.

ونتيجة ذلك، نجد أن المتعلم في التعليم الخصوصي أضحى عاجزاً عن متابعة مشواره الدراسي ومسايرة إيقاعاته دون دروس خصوصية لترقيع معارفه ومداركه التي لم تُبن بشكل سليم. أي أنه وصل لذات النتيجة التي سبقه إليها تلميذ المدرسة العمومية، والتي بها حكمنا عليه بضعف تحصيله الدراسي أي الاعتماد على منشطات ذات مفعول مؤقت. الغريب أنه ورغم كل هذا الضجيج فإن مُخرجات المدرسة المغربية بشقيها لا تزال أدنى من مخرجاتها في فترتي السبعينات والثمانينات، فبإمكانات متواضعة كانت تخرج أطرا وكفاءات أفضل مما تفعل اليوم. الشيء الذي يؤكد أن توفر الموارد ليس كل شيء، فعندما تحسنت الإمكانيات نسبياً أفسدت العملية التعليمية برمتها وتلك مسألة طبيعية، ففي بلدان يعشش فيها الفساد تتحول تلك الموارد إلى لعنة ويكون ضررها أكبر من نفعها.

يتضح جلياً أن الهروب إلى التعليم الخاص ليس حلاً، وأن ما يُصرف كثير جداً عليه ولا يتناسب مع ما يقدمه للمتعلمين، فحري بالآباء ألا يسمحوا بالاغتناء على ظهورهم، وعليهم ألا يتنازلوا عن حقهم في المدرسة العمومية، وبما أن جُلهم متعلمون وكثير منهم رجال تعليم، فليدعموا تعثرات أبنائهم بأنفسهم وليوفروا جواً تعليمياً في بيوتهم مُلائماً لأبنائهم بدل الاستقالة ورمي أعباءهم على الآخر لقاء مقابل مادي. والأهم مما سبق أن تكون حركتهم إيجابية متحررة من همومهم الفردية، فما نحتاجه حقيقة هو التكتل الجماعي للدفاع عن مصالح الأبناء التي طالتها أيدي الفساد الذي خرب المدرسة العمومية بدل الاستسلام للوبيات القطاع الخاص المفترسة.



حول هذه القصة

قال المؤرخ المصري محمد حرب إن “التاريخ العثماني مظلوم تنبغي نصرته بتصحيح المغالطات والأكاذيب التي يروجها البعض بشأنه”، مطالبا العرب والمسلمين بمعرفة حقيقته والاطلاع عليها من وثائقها ومصادرها الأصلية.

17/1/2019
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة