يوم عوقب المسلمون في الأندلس!

blogs معركة العقاب في الاندلس

لقد شهدت بلاد الأندلس العديد من المعارك الحاسمة والتّاريخية في مصيرها، والتّي كانت بمثابة النّقاط الفاصلة في حياة الأمّة، وإن كانت معارك مثل وادي لُكة وبلاط الشّهداء والزّلاقة والأرك سببًا لتدعيم مكانة الدّولة وزيادة قوّتها، فإنّ معركة العقاب كانت فاتحة الانهيار الشّامل لقواعد الأندلس الكبرى. فبعد الانتصار الباهر الذّي حقّقه الموحّدون حكّام الأندلس والمغرب على صليبيي الأندلس في معركة الأرك سنة 591هـ بقيادة أبو يوسف يعقوب المنصور الموحّدي، ركن الصّليبيّون للمهادنة انتظارًا للفرصة السّانحة للوثوب مرّة أخرى.

وكان ألفونسو الثّامن منذ هزيمة الأرك السّاحقة يتوق إلى الانتقام لهزيمته وغسل عارها الذّي جلّل سيرته وفترة حكمه، فلمّا اشتعلت ثورة بني غانية وهم من أولياء دولة المرابطين التّي كانت تحكم الأندلس والمغرب قبل الموحّدين، في شرق الأندلس وشمال إفريقيا، انشغل زعيم الموحّدين النّاصر لدين الله بقمع هذه الثّورة، وذلك منذ سنة 595هـ حتّى سنة 607هـ، وهي السّنة التّي قرّر فيها ألفونسو الثّامن الهجوم على الأندلس مرّة أخرى، فكانت هناك تعبئة روحيّة عالية في جيش النّصارى، يقودها البابا في روما بنفسه، وقد أعلنوها حربًا صليبيّة، وراحوا يُضْفُون عليها ألوانًا من القداسة.

بدأ ألفونسو حملته الصّليبيّة على الأندلس بإزالة الخلافات العميقة بين ممالك إسبانيا النّصرانية الثّلاث (قشتالة – ليون – أراجون) والتّي كانت سببًا مباشرًا لهزيمة الصّليبيّين المدوية في معركة الأرك، وبذلك تكون دول أوروبا قد توحَّدت، وبلغ عدد جيوشها مائتيْ ألف نصرانيًّا، يَتَقَدَّمُهم الملوك والرّهبان نحو موقعة فاصلة بينهم وبين المسلمين.

النّاصر يعلن الجهاد:
قامت الجيوش الصّليبيّة بحصار قلعة رباح، وكان قد تملّكها المسلمون بعد موقعة الأرك، وكان على رأسها القائد البارع الأندلسي الشّهير أبو الحجّاج يوسف بن قادس

كان لاستئناف نصارى إسبانيا لغزواتهم المخرّبة في أراضي الأندلس أثر بالغ في الدّولة الموحّديّة قرّر معه الخليفة الموحّدي النّاصر لدين الله العبور إلى بلاد الأندلس، فأرسل كتبه إلى سائر أنحاء المغرب وإفريقيّة وبلاد القبلة كلّها بالنّفير للجهاد ضدّ الصّليبيّين وإعداد العُدّة اللّازمة لذلك. فجمع المجاهدين من بلاد المغرب العربي والأندلس وقد بلغ الجيش عددًا عظيمًا أوصلته بعض الرّوايات إلى نصف مليون، وإن كنّا نرى في هذا العدد مبالغة كبيرة بالقياس للظّروف التّاريخيّة في تلك الفترة.

الطّريق نحو العقاب:

في شعبان سنة 607هـ، خرج النّاصر بجحافل جرّارة تقدّر بمئات الآلاف. انطلق النّاصر لدين الله بجيشه من بلاد المغرب وعبر مضيق جبل طارق، ثمّ توجَّه إلى إشبيلية في آخر ذي الحجّة سنة 607هـ، وهناك انضمّ إليه أعداد كبيرة من جنود الأندلس، ثمّ إلى سلبطرة، ثمّ عاد إلى إشبيلية، ثمّ ذهب إلى العقاب، وفي طريقه إلى العقاب بقي فترة في ظاهر جيان، وعُرفت منطقة العقاب بهذا الاسم لوجود قصر قديم كان يحمل هذا الاسم في تلك المنطقة، وهي تلك المنطقة التّي دارت فيها الموقعة، وقد كانت -وسبحان الله- اسمًا على مسمّى، فكانت بحقٍّ عقابًا للمسلمين على مخالفات كثيرة، ظهر بعضها سابقًا وسيظهر الباقي تباعًا.

دخل النّاصر لدين الله أرض الأندلس بهذا العدد الكثيف من المسلمين، وفي أوّل عمل حربي له حاصر قلعة سلبطرة، وكانت قلعة كبيرة وحصينة جدًّا، وبها عدد قليل من النّصارى، وكانت هذه القلعة بيد فرسان المعبد الصّليبي، وكانت نقطة إغارة دائمة للصّليبيين على المدن الإسلامية بالأندلس، لكنَّ حصانة القلعة أعجزت المسلمين عن فتحها، حتّى كاد النّاصر أن يتجاوزها؛ إلّا أنّ الوزير -الذّميم- أبو سعيد بن جامع أصرّ على ضرورة فتح القلعة فبقيت الجيوش تحاصرها حتّى فتحت بعد 51 يومًا من الحصار.

كان من جرَّاء هذا العمل الذّي قام به النّاصر لدين الله أن حدث ما يلي:
أوّلًا: إضاعة الوقت في حصار قلعة سلبطرة، وقد كان من الممكن أن يُهاجَم النّصارى بهذا الجيش الكثيف قبل أن يتجمَّعُوا في كامل عُدَّتهم.
ثانيًا: أكمل النّصارى استعداداتهم خلال هذه الفترة الطّويلة، واستطاعوا أن يستجلبوا أعدادًا أخرى كبيرة من أوروبا.
ثالثًا: أصاب الضّرر الآلاف من المسلمين من صقيع جبال الأندلس في ذلك الوقت؛ وبدأ المسلمون يهلكون من شدَّة البرد، وشدَّة الإنهاك في هذا الحصار الطويل.

بطانة السّوء وقتل القائد الأندلسي أبي الحجّاج يوسف بن قادس:

كان لفتح هذه القلعة أثر شديد في قلوب الصّليبيّين خصوصًا ألفونسو الثّامن للأهميّة الكبرى لها، فقرّر الهجوم على قلعة رباح وكانت نظيرة قلعة سلبطرة في الأهميّة والمكانة عند المسلمين. فقامت الجيوش الصّليبيّة بحصار قلعة رباح، وكان قد تملّكها المسلمون بعد موقعة الأرك، وكان على رأسها القائد البارع الأندلسي الشّهير أبو الحجّاج يوسف بن قادس -رحمه الله- وهو من قادة الأندلس المشهورين، حوصرت قلعة رباح حصارًا طويلًا من قِبَل الجيوش النّصرانية، وقد طال أمد الحصار حتّى أدرك أبو الحجّاج يوسف بن قادس أنّه لن يفلت منه، كما بدأت بعض الحوائط في هذه القلعة تتهاوى أمام جيش مملكة أراجون.

عاد أبو الحجّاج يوسف بن قادس إلى النّاصر لدين الله، وحين علم منه أنّه قد ترك قلعة رباح وسَلَّمَها بالمؤن والسّلاح إلى النّصارى، أشار عليه وزير السّوء أبو سعيد بن جامع بقتله؛ بتهمة التّقاعس عن حماية القلعةعاد أبو الحجّاج يوسف بن قادس إلى النّاصر لدين الله، وحين علم منه أنّه قد ترك قلعة رباح وسَلَّمَها بالمؤن والسّلاح إلى النّصارى، أشار عليه وزير السّوء أبو سعيد بن جامع بقتله؛ بتهمة التّقاعس عن حماية القلعة
 

أراد أبو الحجّاج يوسف بن قادس أن يُحَقِّقَ الأمن والأمان لمَنْ في الحصن من المسلمين، وأراد أن ينضمَّ إلى جيش المسلمين، فعرض على النّصارى معاهدة تقضي بأن يترك لهم القلعة بكامل المؤن وكامل السّلاح، على أن يخرج هو ومَنْ معه من المسلمين سالمين، فوافق ألفونسو على هذا العرض، وبدأ بالفعل انسحاب أبي الحجّاج يوسف بن قادس من الحصن ومَنْ معه من المسلمين، وقد اتّجهوا إلى جيش النّاصر لدين الله.

ولأنّ الوليمة ليست قصرًا على ألفونسو الثّامن، فقد اعترض على هذا الانسحاب جيش النّصارى الأوروبّي المتّحد مع جيش قشتالة، فقد كانوا يَرَوْنَ أنّهم ما أتوْا من أبعد بلاد أوروبا ومن إنجلترا وفرنسا والقسطنطينيّة إلاَّ لقتل المسلمين؛ فلا يجب أبدًا أن يُتركوا ليخرجوا سالمين. وقد أدّى هذا الأمان لغضب الصّليبيّين وتنامى هذا الغضب حتّى انشقّ كثير منهم وتركوا ألفونسو الثّامن وعادوا إلى بلادهم. وبذلك يكون قد انسحب من موقعة العقاب وقبل خوضها مباشرة خمسون ألفًا من النّصارى، وأصبح جيش المسلمين بعد هذا الانسحاب أضعاف جيش النّصارى.

عندما عاد أبو الحجّاج يوسف بن قادس إلى النّاصر لدين الله، وحين علم منه أنّه قد ترك قلعة رباح وسَلَّمَها بالمؤن والسّلاح إلى النّصارى، أشار عليه وزير السّوء أبو سعيد بن جامع بقتله؛ بتهمة التّقاعس عن حماية القلعة، ولم يتردَّد النّاصر لدين الله في تنفيذ قتل القائد المجاهد أبي الحجّاج يوسف بن قادس. وإنّ هذا -وبلا شكٍّ- ليُعَدُّ خطأ كبيرًا من النّاصر لدين الله، وعملاً غير مُبَرَّر، ويُضاف إلى جملة أخطائه السّابقة؛ وذلك للآتي:

أوّلًا: أنّ أبا الحجّاج يوسف بن قادس لم يُخطئ بانسحابه هذا؛ بل كان متحرِّقًا للقتال، كما أنّه لو مكث لهلك، ولو لم يهلك لكانت قد حُيِّدَت قواته عن الاشتراك في الموقعة؛ بسب الحصار المفروض عليها.

ثانيًا: وعلى فرض أنّ أبا الحجّاج يوسف بن قادس قد أخطأ، فلا يمكن -على الإطلاق- أن تكون عقوبة هذا الخطأ القتل؛ خاصّة وأنّه لم يتعمَّده، بل كان اجتهادًا منه.

كان لهذه الحادثة أسوأ الأثر على معنويّات الجيوش الإسلاميّة، وفي ذلك يقول المقري في نفح الطّيب: "وهذه الوقعة -العقاب- هي الطّامّة على الأندلس بل والمغرب جميعًا، وما ذاك إلاَّ لسوء التّدبير، فإنّ رجال الأندلس العارفين بقتال الإفرنج استخفَّ بهم النّاصر ووزيره، فشنق بعضهم، ففسدت النيَّات، فكان ذلك من بخت الإفرنج، والله غالب على أمره، ولم تقم بعدها -أي بعد موقعة العقاب- للمسلمين قائمة تُحمَد".