كيف لك أن تكره أنثاك؟!

blogs طفلة

لطالما استحوذ هذا العنوان حياتي، فأبغض البعض من آرائهم العجيبة، نعمة من الله تُكره بدون ذنب، فتحمل باقي ما تبقى من إهانات تُلاحقها أينما حلت، فكانت فاجعتي الكبرى عند إخباري إحدى الفتيات اللواتي أعرفهنّ عن آراء ذوييها كونها أنثى، كيف وهم يفضلون لها الموت على أن تبقى حية، يسكتونها إن تحدثت ويرفضون ما تطلب هذا وإن تمالكت مشاعر الشجاعة وطلبت، يضربونها حتى وإن طلبت منهم الاكتفاء عن معاملتها بقسوة، يخبرونها كم هي ثقيلة على قلوبهم، فيسمعونها كلماتٍ شتى من الشتائم والألفاظ القبيحة، فتبيت ليلتها باكية مناجية الله بشتى المناجات، لتستيقظ صباحًا على أصواتهم بمناداتها بأقبح الألقاب وكأنها روح بلا إحساس فتمارس يومها تحت ضغوطات احتمالها، لتنفر باكية خوفًا على أحدهم إن حصل له مكروهًا ما. فكان لابد مني أن أكتب ما جال بخاطري منذ تلك الليلة، عسى أن تستيقظ بعضٍ من العقول المتحجرة.

أنثى، طالما كان لهذا المصطلح جدلًا كبيرًا بين البشر، يثيرُ اشمئزاز البعض، بعضٍ من معشر الرجال على وجه الخصوص، مستثنيين بعضًا من النساء قديمًا وحديثًا نوعًا ما. تداولوا قديمًا بأن الأنثى هي فاجعة الدهر، إن أراد الله ابتلاء أحدهم يرزقه بأنثى(بنت)، فيخيم الحزن أرجاء منزل ذلك الرجل، لينحني ظهره وتدمع عيناه خيبةً. يتوارى عن أنظار الناس خوفًا من شتيمة البعض، يصافح الناس مسرعًا متجنبًا لسؤالهم عنها.

ما زال البعض يطلقون على أنفسهم بـ (أبو البنات) إن رُزِقوا بأكثر من فتاة غير مدركين نعم الله عليهم بامتلاك روحٍ نقية، في حين أن أحدهم يناجي الله في كل ليلة بأن يرزقه ولو بفتاةٍ واحدة تسعد له روحه

ينتظر فتاه على أحرٍ من الجمر، لا يكتفي بواحدٍ أو اثنان، ينتظر المزيد منهم دون استقباله لحلوتهِ الأولى، ينظر إليها بنظرة البؤس فيعبس بوجهها ظلمًا لقلبها الصغير، لا يحتضنها ابدًا، يزيح بها إلى الجانب قليلًا وكأنها اللاشيء أمامه، لا يأبه لأمرها كخيالٍ في غرفةٍ معتمة تفتقر إلى الضوء. تجري نحو أحضانٍ تضمها فلا تجد سوى الأيدي المكتوفة، كجدارٍ في آخر الطريق، تملؤها التساؤلات حول نفسها لكنَّ الصمت يمتنع عن الإجابة، فيحين موعد زفافها قبل آوانه لتُزف إلى بيتها الثاني دون وداعٍ مبكٍ، فيريح قلبه وكأنها أمانة ثقيلة ألقت بكامل ثقلها على قلبه فجعلت منه شخصًا يملأه الحزن والكآبة أينما ما ولى.

أذكر في ذاتِ مرة بمرور إحدى الصور المنتشرة حديثًا ألا وهي افتخار البعض لعدم حصولهم على فتاة (كأبنة او كشقيقة) مطلقين عليها العار، دائمًا ما كانت الأنثى تحمل العار بنظر العالم، وكأن الله لم يخلق العار سِواها كما يظنون، فأضاعوا متعة معنى امتلاك شقيقة تحوم في المنزل كقطعة حلوى متنقلة تنثر عبق كلماتها في أرجائِه، تجدها عكازة والدها الأولى وساعد والدتها اليمنى، صديقة الصغير ومدللة الكبير، تصنع الفرح بغنائها المتواصل، ويغضب المنزل أجمع على حُزنها. مقالاتٍ عدة لحقتها العديد من القصص تحكي عنهنَّ بلطف، لكنَّ جهل البعض كان قد تمكن من عقولهم الحجرية، فباتوا ينادون بإرجاع عادات الجاهلية بدفن البنات وهنّ أحياء، قساوة أفكارهم وتحجر أزمانهم منعتهم من النظر إلى الجانب الآخر من الحياة، كيف لهم بمواصلة حياتهم دون وجود الإناث حولهم.

المؤنسات الغاليات كما قال عنهنَّ سيد الخلق، رُزِق بأربعة فتيات فكان لهم خير الأب والحضن والملجأ، وما زال البعض يطلقون على أنفسهم بـ (أبو البنات) إن رُزِقوا بأكثر من فتاة غير مدركين نعم الله عليهم بامتلاك روحٍ نقية، في حين أن أحدهم يناجي الله في كل ليلة بأن يرزقه ولو بفتاةٍ واحدة تسعد له روحه وتقر له عينه. جسدٍ بلا روح هي الحياة بدونها، فكيف يخيل لهم للحظة أن الحياة ستتنفس الصعداء حين يغيبنَ أو يرحلنّ، فو الله لولا وجودهنَّ لأفتقر العالم الراحة والحنان، ولتناقصت أعواد السكر، وكثُرت منابع الهم في الأرجاء، فمن سيربت على أكتاف الرجال عند إخفاقهم، ومن أين سيأتون بقلبٍ يحتوي الجميع بلا استثناء؟ فمن كان له ابنة فأحسنَ تربيتها ومعاملتها وتعليمها دخل الجنة، وهذا وعد الله ووعد الله حق لا يضام، فبسمتهنّ تعيد الروح بعد ذبولها، فأحرصوا على إشعاعتهنّ حولكم، فسينير الله قلوبكم بعد اكتساح الأحزان لعوالمكم.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة