موت القلب.. هل إظهار مشاعرنا فعل ساذج؟

أوجدت مادية العالم قيم تعلو على ما يفترض أن تكون عليه الطبيعة الإنسانية وتتجاوز قيمها، تحت ذرائعية مبهمة من الجانب الأخلاقي المثالي، وهي أقرب للصواب من ناحية التأسيس الفلسفي المتطرف لحقيقة طبع الإنسان إبتداءا. اعتمادا على تلك المادية المفرطة، جرد الفرد في عالم اليوم من حقيقة امتلاكه لقدرات عاطفية من نوعا ما، واجبر على الاتجاه نحو طريق جاف وخال من أي ممكن عاطفي، وتصوير الفعل العاطفي باعتباره سذاجة لن تجلب للعالم اي شيء عدا العبء المفرط والتراخي تجاه حقائقه العلمية.

هذا التصور الجاف والصادم للعالم وللفرد والذي لعب فيه بعض الفلاسفة وأبرزهم نيتشه دور في تصديره، جعل من المناداة بضرورة تواجد الفعل العاطفي في الحياة محل سخرية، وأقرب للفعل الشاذ والمتجاوز للطبع الإنساني، كما أنه يلخبط نمطية العالم وواقعيته واعتماده في استمراريته فقط على الفعل العقلي والمنطقي. في وسط هذا التهويل من كارثية العاطفة، تقتضي الحاجة إلى إبرازها بتمظهرها الأمثل، باعتبار العاطفة تجاه الأشياء والأشخاص ليس خاضعة للحسبة الرياضية، ولا يقتضي لوجودها قرارا عقلياً محضاً فهي أقرب للحدس؛ والحدس لا يحتاج برهان لإثباته؛ فبرهانه هو أن تعترف به فقط مع غض النظر عما يمكن أن ينتجه ذلك الاعتراف، وما سيؤدي إليه.

تبدو الحياة العلمية للمشاعر كارثية، ومحاولة تعقيل العاطفة او لنقل نزعها من الوجود الإنساني جريمة يدفع ثمنها الإنسان نفسه وهو يجد ذاته تبتعد رويداً عن العاطفة والمشاعر المألوفة له طفلا؛ فأي حياة تخلو من التجارب الشخصية واقتصرت على عنصر المعرفة العقلية تفقد الإنسان تلك المتعة التي تبعثها المعرفة الشخصية، والعلاقات الباطنة الحميمة ولافتقرت الحياة إلى بعد من أبعادها الهامة التي تبعث فيها الدفء وتشيع فيها الحرارة كما يزعم فؤاد زكريا في كتابة التفكير العلمي.

تجريد الفعل العاطفي من العقلانية القاسية وتخفيفه من ابتكارات سيغموند باومان التي يزعم فيها في أن لا ثابت في عالم اليوم، العالم الذي لا يمكن أن نعتقد بثباته، إذ أن السيولة هي السائدة في كل شيء سيولة، الحياة، الحداثة، والحب؛ تجريد العاطفة من كل ذلك والتخفف من  النظرة الشاملة للحياة باعتبارها سائلة ومتنطعة القيم الغير مستقلة مطلقاً، حيث لا استثناء في ذلك لأي شيء بما في ذلك الحيز او الممكن العاطفي، إذ على الفرد المحفوف بكل هذه العقلانية وتوكيدية القوة أن يستثني العاطفة  من تلك السيولة وجعلها  ممكن وضرورية  حتى يستمر في تفريغ الأطروحات العقلية الأخرى وهو مبتهج. التعقلن يغذي الروح لكن لا يبهجها، ما الفائدة إذن من غذاء لا تستمتع بمذاقه وما الفارق الذي ستحدثه اللانكهة عدا أنك كائن موجود لكنك مجرد من أي متعة لذلك الوجود، كتجرد العدمي من متعة الإيمان بأعلى يتمسك به بغض النظر عن حقيقته من عدمه.

هذه الدعوة ليست محاولة لإنتاج الخرافة وتهذيبها، بل إيجاد قيمة للمشاعر في عالم يعج بالمادية وتسطيح العاطفة باعتبارها سذاجة يفترض تهميشها لصالح العقل ومنطقه

يقودنا هذا الأمر إلى إجابة للتساؤل الأبرز الذي يطرحه الفلاسفة والمفكرين والملحدين لما يفضل الناس وجود الدين في حياتهم؟ ضاربين بالحقائق التي يوردوها بخرافتها وإن آلهات الأديان أنتجها الوهم الإنساني وعززتها الحاجة بقيمة أعلى ووجود متعالي يحبذ الكون إدراكه والإيمان به، لأجل إشباع ذلك الخواء الروحي الذي يدركوه بدون الإيمان بحقيقة أعلى ووجود مطلق، وبدون ذلك الإيمان الذي تغذيه الحاجة العاطفية، والرغبة الجارفة بضرورة وجود آخر أعلى ينصت ويقبل بالإنسان كما هو بل ويحبه، وبالتالي الطمأنينة لوجود خليل أعلى هذه هي الغاية المنشودة من الإيمان في الباطن.

هذه الدعوة ليست محاولة لإنتاج الخرافة وتهذيبها، بل إيجاد قيمة للمشاعر في عالم يعج بالمادية وتسطيح العاطفة باعتبارها سذاجة يفترض تهميشها لصالح العقل ومنطقه الذي جعل ما سواه بما فيه الحواس مجرد تضليل والتعالي أيضا على التجريبية كقيمة معرفية وتجاوزها باعتبارها تتباين في تقرير الحقائق وتتخبط في تحديدها. بالطبع لا نعني بالدعوة بضرورة إيجاد قيمة ومكان للعاطفة في الحياة الخاصة لكل إنسان المبالغة في التفاؤل في واقع يرزح تحت لعنات كثيرة وظروف أشبه بالجحيم، حيث يبدو التفاؤل خداع يراد به تسكين الشعور المرعب بالكوارث التي يعيشها العالم. فالعاطفة وإعطاءها حقها في عالم يرزح تحت وطأة المادية في أكبر تجلياتها التاريخية ليس نوع من التفاؤل ولست مؤمنا بضرورة التفاؤل الساذج بل على العكس أوافق ما ذهب إليه الفيلسوف أشهر الفلاسفة الرواقيين سينيكا، بأن ما يدفعنا إلى الغضب والتألم والاحباط من الحياة، هو التفاؤل المبالغ فيه، تجاه الحياة والأشياء. “بحسب الرؤية السينيكية، إن ما يدفعنا إلى الغضب هي أفكارٌ تفاؤلية على نحو خطير بشأن ماهية العالم والناس. “

والنصيحة اللي يسديها إلينا سينيكا تقول: “يجب تبقي في ذهننا احتمالية وقوع كارثة في أي لحظة!” واصفاً تفاؤلنا وحسن الظن بأنه براءة خطيرة وتنافي ما يؤكده بوضوح عن الطبيعة، بأنها لم تخلق مكاناً يتسم بالثبات، إذ لا شيء مستقر، مصائر البشرية، ومصائر المدن في دوامة" والعالم يتجه يوما بعد آخر إلى مزيد من الجنون والخيبة، حيث يكرر تأكيده بأن الإيمان بهذا اللاثبات في الحياة يقلل إحباطنا أمام الأشياء لو ما حصلت مثل ما نتوقع.

هنا يجب التفريق بين التفاؤل والعاطفة؛ التفاؤل يولده الوهم بحدوث شيء أو الرغبة بحصوله وهو في حقيقة الأمر معرقل التفكير العلمي شأنه في ذلك شأن الخرافة، أما الفعل العاطفي فهو شعور يتولد لدى الفرد دون أن يخدش بذلك القيم العلمية ولا يتجاوز الواقع وحقائقه، هو قيمة لا تجرد حاملها من نباهته ولا تضعف فكره، بل أنها تجلب نوعاً من الصفاء الروحي يجعل من العملية العقلية والفكرية أكثر رسوخا.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة