logo

العقلية الأمنية التقليدية.. مشاهدات مواطن عراقي

تعد المشكلة الأمنية إحدى أهم التحديات التي يعاني منها العراق بشكل خاص بعد عام 2003 والكثير من دول المنطقة لاسيما في ظل تنامي دور الفاعلين من غير الدول التي تدعمها مخابرات دول إقليمية ودولية في عصر الرقمنة وسهولة انتقال المعلومة التي تؤدلج الجماعات وفق رؤى وقناعات لتكوين الفكر الجمعي باتجاه سلوكيات عنفيه تقع تارة ضد أجهزة أمن الدول أو تستهدف أمن الموطنين بصورة أو بأخرى، إنه القرن الحادي والعشرين من لم يوظف مخرجاته بما يخدم أمنه ومصالحه ينقلب ضده إن صح التعبير.

وفي ظل هذه المقاربة أجد نفسي كمواطن يحتك بالمجتمع، وأيضاً كأكاديمي مختص يشخص الخلل والحالات السلبية في كل مفاصل الحياة اليومية فإنه من الضروري الحديث عن موضوع الأمن المنشود الذي أصبح أمنية كل فرد عراقي، وحتى لا أطيل المقدمة بالحديث النظري عن الأمن فإنني سوف أسوق بعض المشاهد التي تعد أهم أسباب فشل الخطط الأمنية واستمرار الخروقات الأمنية، في كل يوم نقف طوابير في (السيطرات) أي الحواجز الأمنية، وعندما نصل إلى رجل الأمن يسألنا السؤال التقليدي الذي يعرفه كل عراقي (منين جاي وين رايح) باللهجة العراقية أي من أين أتيت وإلى أين أنت ذاهب؟، والأجابة معروفة من الدوام إلى البيت والعكس صحيح.

 

وبالمقابل هناك طريق عسكري في كل سيطرة تمر منه السيارات العسكرية وهنا تكمن المشكلة، فالكثير من السيارات التي تمر عبر هذا الطريق سيارات مضللة بلا أرقام ذات دفع رباعي أو عليها إحدى علامات الأحزاب المتنفذة تمر دون أن يعرف رجل الأمن في السيطرة من داخل السيارة وماذا يحمل إلى أي جهة ينمتي، لأنه يخاف أن يكون مسؤول أو في جهاز أمني أعلى أو إلى جهة حزبية متنفذة، وهذا باعتقادي هو أحد طرق مرور العربات المفخخة والجريمة المنظمة وعدم ضبط الأمن، فإي جماعة إرهابية تسطيع أن تدخل بنفس الصيغة إلى قلب أي مدينة دون أن تتوقف إذا كانت تحمل تلك المواصفات التي تم ذكرها.

منذ 15 عام لم نجد تقدم في إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والقيادات فضلاً عن الأساليب المستخدمة في كشف الجريمة والعمليات الإرهابية قبل حدوثها

كذلك الكثير ممن يقف في هذه الحواجز الأمنية لم يدرب في طريقة تعامله مع المواطنين بالصورة التي تجعل منه جزء من منظومة الأمن في إيصال المعلومة، فالتعامل السلبي مع المواطن والتعالي عليه أو النظر إليه باستحقار أو طلب مستمسكاته بطريقة غير لائقة كل هذه النقاط وهناك الكثير من الأمور المشخصة لأحد أهم أسباب عدم التعاون من قبل المواطن مع رجال الأمن.

من الأمور الأخرى أن هناك انتقائية أخرى في التعامل مع المواطنين من قبل بعض غير الكفؤين من رجال الأمن، فهناك العشائرية والقبلية وبعض الأحيان المذهبية أو القومية بحسب التنقل فيما بين المحافظات ولكن ليس على سبيل التعميم ولكن من أجل التشخيص، تحكم في تسهيل من يمر أو العكس فإذا كان رجل الأمن من عشيرة معينة وجاء شخص من نفس العشيرة نجده يمر فقط من خلال شفرة اللهجة إن صح التعبير كما نسميها نحن العراقيون أو أنه ذكر له من أي (العمام).

وهذه السلبيات جزء من كم هائل لا يسمح المقام بالتفصيل فيها وإنما نريد أن نشخص الخلل بصورته الكلية لمعالجته بعقلية متفتحة تعيد هيكلة الأجهزة الأمنية وتقليص العدد لأن عسكرة المجتمع وازدياد الأجهزة الأمنية لهي أحد أهم أسباب إرباك المشهد الأمني بسبب عدم التنسيق وعدم وجود قنوات اتصال معتبرة بين تلك الأجهزة في الحركة وتنفيذ المهمات، بل أن هناك الكثير من غير المنضبطين في استغلال الانتماء إلى الجهة الأمنية في إرباك الأمن بطريقة أو بأخرى، فالمشهد كما نراه زيادة عددية في رجال الأمن يقابه أمن مضطرب تصعد وتنخفض وتيرته بحسل الظروف المحيطة والتدخلات الداخلية والخارجية. بيد أن المعادلة يجب أن تكون العكس ففي كل زيادة يجب أن تكون هناك استقرار أمني أكبر.

الصراع السياسي المحتدم هو أحد أسباب عدم تحقيق منجزات أمنية إلا بعد تضحيات كبرى من قبل أجهزتنا الأمنية رغم توافر الإمكانات المادية والبشرية والوسائل المتقدمة
 

وبعد إعطاء هذه المعطيات لا يعني ما قلناه أنه ينطبق على كل رجال الأمن ولا على كل الحواجز الأمنية لكننا ومنذ 15 عام لم نجد تقدم في إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والقيادات فضلاً عن الأساليب المستخدمة في كشف الجريمة والعمليات الإرهابية قبل حدوثها. بل نجد أن التشديد الأمني يحدث بعد حدوث الحادث الإرهابي ويقع كل ذلك على كاهل المواطن الضعيف في التشديد الأمني، بل أن أهم الأشياء التي يجب أن أختم بها أن الازدحامات في الحواجز للتنقل من منطقة لأخرى كانت أحد أسباب وقوع العدد الأكبر من الضحايا لأن العمليات الأرهابية تستهدف العدد الأكبر من إيقاع الضرر في البشر فضلاً عن الجانب المادي، وهنا أقول أن حياة الإنسان وكرامته يجب أن تكون أهم من كل الإجراءات التي لم تفضي إلى نتيجة إيجابية تحقق الأمن المنشود.

وفي الخاتمة أقول أن الصراع السياسي المحتدم هو أحد أسباب عدم تحقيق منجزات أمنية إلا بعد تضحيات كبرى من قبل أجهزتنا الأمنية رغم توافر الإمكانات المادية والبشرية والوسائل المتقدمة، وها نحن مع كل تشكيلة لحكومة وحكومة عادل عبد المهدي الجديدة أيضاً، نجد الصراع على الوزارات الأمنية التي يقف عليها أمن المواطن هي من محطات المكاسب السياسية الحزبية أو الشخصية، إذ لم يتفق الأطراف على تسمية وزير الداخلية أو الدفاع ومستشارية الأمن الوطني.. ولعل الموضوع لا يكفي في تدوينة لأن مكامن الخلل كثيرة ومتداخلة.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة