عافية الدّين وعلّة التديّن.. مَغاليق الجنَّة بأيدِينا!

الإنسانُ خطّاءٌ بطبعه، لأنّ عوامل الخير والشرّ لديه في صراعٍ دائمٍ وعراكٍ مستمر، فتجد من النّاس مُنصف النّفس، من أدرك هذه الطبيعة البشريّة فيه، فلا ينسى في معترك الحياة أن يذهب بنفسه في كلّ مرّة إلى محراب النّجاة؛ ليستروح قلبه علّه يلين إذا ألهاهُ الصّفق، ومنهم من إذا نظرت إلى لسان حاله أدركت أن قد بلغ به تديّنه مرحلة العُجب والغرور، فصار رمزًا للمباهاة والتّفاخر ومصدرًا للتكبّر، وإنّه لشرٌّ مستطير لأنّ التديّن لديه قد فقد حقيقته وجوهره.

 

ولعلّ أكثر النّاس إصابة بهذا الغرور هُم المنتمون للحركات والأحزاب والجماعات الإسلاميّة، إذ منهم من يرون في انتمائهم امتيازًا يُخوّلهم دخول الجنّة دون غيرهم، فيظنّون بأنّهُم شعبُ الله المُختار، وأنّهم هم الحقّ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأنّ مغاليق الجنّة بأيديهم، وأنّ لا إصلاح إلاّ ما كان من بنات أفكارهم، وأن لا خير قد يُصيب الأمّة ولا نهضة إلاّ منهم وبهم تكون، وأنّهُم–وللأسف-يعيشُون وسط مجتمعٍ قد غلب عليه جهله.

 

هذا الظنُّ الذي كُنت أخاله شاذًّا نادرًا عند البعض منّا لا أكثر، ثمّ أدركتُ مع الوقتِ أنّه فكرة متغلغلة مُتأصّلة عند الكثيرين، بل منهم من تجاوز مرحلة الظنّ إلى مرحلة اليقين. هذا الظنُّ الذي يجعلهم ينظرون إلى اللامنتمين نظرة استعلاءٍ ودونيّة، فيتقوقعون على أنفسهم، فلا هم يحتكّون بهم ولا هم يتعلّمون منهم، ولا حتّى يتخذون منهم أزواجًا ولا زوجاتٍ ولا أخلاّء، لا تعامل معهم اللهمّ إلاّ مِن باب المصالح ليس إلاّ… لمَ؟ ليأمنوا ويسلموا بدينهم –كما يزعمون-، ولستُ أقول كلّهم، فالتعميم إجحافٌ بحقّهم، وإنّما أقول: الكثيرين منهم.

 

عليك أن تعلم أنّ الدّين لله، والجنّة لله، يُدخِلُ إليها من يشاءُ من عباده الصّالحين، فلا الانتماء ولا غيره سيبلّغك إياها؛ وإنّما عملك وسلامة صدرك وصلاحُ سريرتك

هم فيما بينهم مُختصمون، قسمتهم المصالح العفنة وشتّتت جمعهم أحزابًا وحركات، رغم أنّ ظاهر قولهم يهتف بأن لا إصلاح إلاّ بالوحدة -وهي حقيقة لا غُبار عليها-، يهتفُ أن لا فرق بيننا إلاّ بالتقوى-وهي حقيقةٌ أخرى-، وأنّنا إخوانٌ في الدّين، (هم إخواننا) هكذا يُقال إن ذُكر من تساقطوا منهم وتفرّقوا عنهم، هدفنا واحد، رسالتنا وغايتنا واحدة وإن تعددت السّبل. لكن النّاظر إليهم في الميدان، وحين يصطدم الواقع العمليّ بالتصوّر النظريّ، تجد كلّ ما ذُكِر ما هو إلاّ شعارات تتناقلها الألسنة ليس إلاّ… قل لي بربّك؛ إن لم تُوحّدكم كلمة الله، وإن لم يُوحّدكم دينٌ واحد تعتنقونه، فكيف سيوحّدكم منهجٌ وضعه بشريّ مثلكم؟

 

تلك نظرتهم فيما بينهم ولمن سقط منهم، فما بالك بنظرتهم للعامّة، إنّهم لا يرون فيهم إلاّ وسيلةً للوصول، درجًا يُداس عليه لاعتلاء المنصّات، شعارًا تُبهرَج به الخطابات: باسم الشّعب، ومن أجل الشّعب، وحقّ الشعب… ذاك الشّعب الذي يُنسى عند أوّل انعطاف! من هُنا ومن هذا الظنّ بالذّات، لا لوم ولا عتب على الفرد منهم إن أعرض عنكم في محافلكم، لأنّكم لطالما أعرضتم عنه في معاركه، ثمّ منذُ متى صارت الدّعوة لله مقرونة بالتحزّب! تفتحون أبواب الخير والانتفاع لمن انتمى إليكم، وتصدّونها في وجه من أعرض عنكم، أتدعون النّاس للدّين فترجون صلاحهم أم تدعونهم لحزبكم فترجون انتماءهم؟ لكن "أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ".. إنّ هذه لهي فكرةٌ مقيتة قد جعلت من الجماعات الإسلاميّة قيمة رخيصة بائسة، يَنظُر إليهم اللامنتمون وغيرهم من غير المنتسبين إلى الصفّ الإسلامي (العلمانيّون وشرذمة السلطة) نظرة سخرية وازدراء، قد رفسُوا رسالتهم في سبيل الركض خلف أهوائهم، أما نفاقهم فحدث عنه ولا حرج!

 

عليك أن تعلم أنّ الدّين لله، والجنّة لله، يُدخِلُ إليها من يشاءُ من عباده الصّالحين، فلا الانتماء ولا غيره سيبلّغك إياها؛ وإنّما عملك وسلامة صدرك وصلاحُ سريرتك. صحيحٌ أنّها تمنحك وسائل وطرق تُعينك على الثّبات في الطّريق، فتُضيف لك النقلة الدعوية حَفنـات من الجد والصرامة إلى ما تمنـحك إياه الفطرة والظروف، بحيث تجد نفسك في مجالس يتداول معك مربوك فيها أخبار الدول، والجهاد، وأوصاف جـِنانٍ وفَراديسَ يحتلها الشهداء وأبطال القتال في فلسطين، فتفتحُ لك أبوابًا لاكتشاف ذاتك وصقل شخصيّتك وبذل الخير للنّاس، كما تُنير لك دربك بأنوارٍ ساطعة في صفّ مستقيم إذا حلّ ظلامُ الفتن، لكن انتبه! هي لا تجعلك أفضل عند الله من غيرك، فطريق العمل الدعويّ واسعٌ لاحب، لا يرتبطُ بالضرورة بحركةٍ أو جماعةٍ، ثمّ إنّها لا تمنحك صكوك الغفران يوم القيامة، أو امتياز دخول الجنّة من أيّ بابٍ تشاء، ولا الحقّ في احتقار النّاس ولا في الإعراضِ عنهم… وإن كنت تظنّ ذلك فعلاً أو تجاوزتهُ إلى اليقين، فدعني أخبرك، أنّك قد أخطأت وتوهَّمت وكبح بك ظنُّك وتأويلك.

 

تأدّبوا والزموا لعلّكم ترشدون، فقيمة المرء الحقيقيّة لا تكمُن في هذا الحُطام البالي، وإنّما تعدوه إلى القيم الروحيّة والخُلقيّة والإنسانيّة التي يتحلّى بها، في لينه مع الضّعيف، ومرحه مع الصّغير، وتودّده للفقير
 

انظر، علينا أن نكون واقعيّين قليلاً لا مجحفين، إنّ العمل الدعويّ أيًّا كان، مستقلاً أو مرتبطًا بجماعة ما، قد يصيبُه ما يصيبُ العمل في هذه الجماعات، إن أوجدت في دروبه وبين جوانبه الاجتهادات وفق الأهواء، ففي النهاية هي اجتهادات بشريّة يخالطها الصّواب كما الخطأ، وما من طريقٍ إلاّ وبه منعطفات مهلكة وعوائق معرقلة، وإنّما السرّ في الرّوابط القلبيّة بيننا، كما في قوله عليه أفضل الصّلاة والسّلام: "لا اختلافَ بينهُم ولا تباغُض، قلوبُهم قلبٌ واحد"، وكذا في معاني الوِصال، أيًّا كان الآخر: إخوانيًّا، سلفيًّا، صوفيًّا، أو لامنتميًا… فتُنبّهنا هذه الروابط إلى "أدب السّير"، إن نحن ألهتنا في كلّ مرّة انتصاراتنا لأنفسنا عن الموازين الشرعيّة في الخلاف أو الاختلاف، فنحيد بذلك بسببها عن الطّريق.

 

ثمّ أن تكون أفعالنا مرآةً لصفاء النّفس الذي نتغنّى به في كلّ محفلٍ، فتكون تحقيقًا لكلّ قولٍ بدر منّا، ثمّ علينا أن نتذكّر دائمًا أنّ هذه الجماعات ما هي إلاّ وسائل ليس إلاّ، وُضعت لتُناسب ضخامة الحاجة، لا لتخلق انقسامات وحروب ظاهرة كانت أم باطنة، ولا لتجعل في قلوبنا ولو مثقال ذرّة من كِبرٍ واستعلاء على الآخر… فتأدّبوا والزموا لعلّكم ترشدون، فقيمة المرء الحقيقيّة لا تكمُن في هذا الحُطام البالي، وإنّما تعدوه إلى القيم الروحيّة والخُلقيّة والإنسانيّة التي يتحلّى بها، في لينه مع الضّعيف، ومرحه مع الصّغير، وتودّده للفقير، حتّى إذا ما رآهُ النّاس حسبوه من العوام وما هو من العوام، هي الخير والتّواضُع مغلّفة بالبساطةِ المُفرطة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

مُنيت رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي بهزيمة كبيرة في مجلس العموم، بعد رفض اتفاق الخروج (البريكست) الذي توصلت إليه مع الاتحاد الأوروبي بأغلبية كبيرة.

تعافى الجنيه الإسترليني من المستويات المتدنية التي كان قد بلغها مقابل الدولار أمس الثلاثاء، وذلك عقب رفض البرلمان البريطاني الاتفاق الذي أبرمته رئيسة الوزراء تيريزا ماي للخروج من الاتحاد الأوروبي.

الأكثر قراءة