ثنائية النجاح وكيفية إدراك علوم البرمجة اللغوية العصبية!

نعتقد أحيانا مُوهِمِين أنفسنا أَنَّنَا إذا لم نحصل على ما نريد، فعلينا أن نحاول إعادة التجربة مرات عديدة، حتى الحصول على النتيجة المطلوبة، غير عارفين ولا مقدرين للقاعدة التي تؤكد أن الذين يستمرون في القيام بالمزيد من الشيء نفسه، دائما وأبدًا يحققون نفس النتائج. إذن لِتَحْقِيق التَّمَيُّز البَشَرِي، يَجِبُ عَلَيْنَا إِدْخَالَ أَنْفُسِنَا بِشَكْلٍ كَامِلٍ وَمُتَكَامِلٍ فِي جَمِيعِ المَفَاهِيم الَّتِي تَحْكُمُ النَّهْج القَوِي العِلْمِي وَالعَمَلِي لِعُلُومِ البَرْمَجَة اللُّغَوِيَّة العَصَبِيَّة، وَلِهَذَا فَإِنَّ أَوَّلُ شيء يَلْزَمُنَا مَعْرِفَته والتَّعَرُّف عَلَيْهِ هُوَّ المَكَانْ الَّذِي يَبْدَأ مِنْهُ هَذَا النَّهْجْ، وَذَلِكَ بِنَفْسِ الطَّرِيقَة الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا قَبْلَ مَرْحَلَة التَّعَلُّم الأُولَى.

إذن نجاح الأفراد يدفع بالمجتمع إلى التَّقدُّم والازدهار والعكس صحيح جدًّا. فَعَلَى سَبِيل المثال لا الحصر، تتميَّز الموارد البشريَّة للشَّركات النَّاجحة والمؤسسات القوية المتماسكة عمومًا، وفي مراكز قيَّادتها وطريقة تسييرها خصوصًا، بثقافة متينة راسخة تؤمن بالفعَّالية، الانضباط، والعدل، مع الحرص الكبير على الإخلاص التام الغير مشروط، والتَّفاني في العمل، انطلاقا مِن مبدأ أساسي بسيط وواضح، يؤمن بالتَّعاون الجاد والبنّاء بين الجميع دون استثناء، مهما كان منصبه، كما أنَّه يُقر ويعترف في الوقت نفسه بمجموع خبرات الأشخاص الأكثر تجربة، مع الاحترام الكبير والتقدير العالي للشباب الموهوبين والمتميِّزين. ومِن أجل خلق قيمة مضافة حقيقية على أرض الواقع، يتمُّ احترام قَوَاعِدَ التَّدَاوُلِ، مع الحِرْص عَلَى ترسيخ هذا السلوك كفلسفة وتوجُّه ومكوِّن أساسي لتحقيق الريادة والاستمرارية. 

هذه الثقافة يمكن نقلها وترسيخ مبادئها داخل المجتمع بجميع أطيافه وفروعه وتَفرُّعاته، لِتَجَّنُّبِ الحَوَادِثِ وَالمُخَالَفَاتِ، هذا مع المَعرِفة الدقيقة لِلفَرَضِيَّات الأَسَاسِيَّة أَوْ الافتراضات المُسْبَقَة، التي تَجْعَلُ مِنَ المُمْكِنِ تَطْبِيق مجمع هذه التِّقْنِيَّات على أرض الواقع بِشَكْلٍ سَلِيمٍ، وَبِكلِّ سلاسة وأريحيَّة دُونَ الخَوْف مِنَ الأَعْطَال المَنْطِقِيَّة. الافتراضات المُسْبَقَة هِيَّ المَعَارِض الأَسَاسِيَّة أَوْ المُسَلَّمَات مِنَ البَرْمَجَة اللُّغَوِيَّة العَصَبِيَّة، وَهِيَّ تَعْمَلُ عَلَى إِعْطَاء إِطَار نَظَرِي لِعَمَلِيَّة التَّفَاهُم، كَمَا تَسْتَنِدُ إِلَى الاستنتاجات حَوْلَ كَيْفِيَّة إِدْرَاك السُّلُوك وَكَيْفِيَّة جَمْع المَعْلُومَات. إِذَنْ مِنَ المُهِّم جدًّا التَّرْكِيز والانتباه إِلَى مَا سَوْفَ يُخْبِرُنَا بِهِ التِّحْلِيل السَّلِيم لِلْكَلاَمُ الغَيْر اللَّفْظِي، نَظَرًا لِصِدْقِ وَأَهَمِّيَّة البَيَانَات المُقَدَّمَة. فَمِنْ خِلاَلِ مَا سَبَقَ نَسْتَنْتِج استحالة عَدَمُ التَّوَاصُلِ، وَالتَأْكِيد عَلىَ أَنَّ هَذَا الأَخِير حَقِيقَة إِنْسَانِيَّة بَسِيطَة حَتْمِيَّة مَوْجُودَة، تُوَثِّقْ التَّوَاصُل الحَاصِلْ بِشَكْلٍ دَائِمٍ وَمُسْتَمِّر، بِحَيْثُ أَنَّهُ حَتَّى عِنْدَ الرَّغْبَة فِي عَدَمِ التَّوَاصُلِ، فَإِنَّ لِسَان الحَال يُؤَكِّد أَنّ هُنَاكَ حَدِيثٌ وَاضِح وَقَوِي، يأخذ عَلَى عَاتِقِهِ مَسْؤُولِيَّة إِيصَال الرِّسَالَة بِشَكْلٍ دَقِق.

يَعْتَمِد رَدُّ فِعْل الشَّخْص الَّذِي نَتَوَاصَل مَعَهُ عَلَى مَا نَقَلْنَاهُ لَهُ، لذلك إذا كُنَّا غامضين في اتصالنا مع أنفسنا أو مع الغير، حتما سوف نحصل على إجابة غامضة

لِهَذَا أَعْتَقِدُ جَازِمًا أَنَّ التَّوَاصُل مَعَ اللُّغَة فَقَطْ خطأ شَائِعْ، هَذَا لأنَّ الاتصال يَتَضَمَّنُ عِدَّة جَوَانِب غَيْرَ اللُّغَة، وَالَّتِي تُشَكِّلْ مَا يُسَمَّى بـِاللُّغَة غَيْر اللَّفْظِيَّة. يُشِيرُ هَذَا المَفْهُوم إِلَى الإِيمَاءَات، أَوْ الشَّكْل، أَوْ وَضْع اليَدَيْن، أَوْ الجِسْم، أَوْ حَرَكَة اليَدَيْن، أَوْ السَّاقَيْن، التَّنَفُّسِ، حَرَكَات العَيْنَيْن، التَّأْثِيرَات، وَنَبْرَة الصَّوْت، باختصار شَدِيد كُلّ شيء يُتِيحُ لَكَ لَمْحَة عَنْ أَيّ شيء يَشْعُرُ بِهِ أَوْ يُفَكِّرُ فِيهِ الفَرْد تِلْكَ اللَّحْظَة. فَيَتِمُّ إِعْطَاء مَعْنَى لِلتَّواصُل عَنْ طَرِيقَ الاستجابة الَّتِي تَمّ الُحصُول عَلْيْهَا مِنْ قَبْل، كُلَّمَا تَوَاصَلْنَا فِيمَا بَيْنَنَا حَصَلْنَا دُونَ رَيْبٍ وَلاَ شَكٍّ عَلىَ إِجَابَة، حَتْمًا سَوْفَ تَسْتَنِد هَذِهِ الإِجَابَة عَلىَ مَا تَمَّ تَوْصِيلُهُ.

يَبْدُو أَنَّ هَذَا الإِعْصَارْ الفَلْسَفِي مِنَ السَّهْلِ فَهْمه، إِذْ يَعْتَمِد رَدُّ فِعْل الشَّخْص الَّذِي نَتَوَاصَل مَعَهُ عَلَى مَا نَقَلْنَاهُ لَهُ، لذلك إذا كُنَّا غامضين في اتصالنا مع أنفسنا أو مع الغير، حتما سوف نحصل على إجابة غامضة، وفي كِلْتَا الحالتين، فَإذا كُنَّا عدوانيين، فسوف نحصل على رَدٍّ عدواني أو رَدَّة فعل مقاومة لما نحاول التعبير عنه، وإذا قمنا بزرع عدم الاهتمام، فسوف نحصد التجاهل، نحن مسؤولون في كل الأوقات، وتحت جميع الظروف، عن الاستجابات المُحصلة، وعليه فإننا ملزمون بالتوقف الفوري عن لوم الآخرين لعدم فهمهم، المعنى الدقيق لما نحاول قوله، محاورونا سيحصلون باستمرار على تغذية راجعة لتقييم فعالية اتصالنا أو عدم فعاليته، لأن فعالية الاتصال سَتَسْتَنِدُ على النتيجة التي تم الحصول عليها.

الناس يتفاعلون مع نظرتهم للواقع، وليس مع الواقع نفسه. فعندما نذهب إلى مكان مجهول، وننظر إليه على الخريطة، نعلم حينها أن ما نراه على الورق، ليس بالضبط الصورة الحقيقية للمكان الذي نحن فيه، بل هو تمثيل له، لتسهيل الحركة وتيسير الجَوَلَان، داخله على أرض الواقع. لأن الواقع كشيء مطلق غير موجود. من حيث المبدأ نحن نعلم جيدا أن كل شخص ينشئ خريطة تمثيلية له، وفقًا لقيوده العصبية والاجتماعية والفردية. ولكن بالإضافة إلى ذلك، سوف يقوم شَخْصِيًّا بتجميع خبراته المعيشية وعوامل أخرى مثل قِيَّمِهِ، ومعتقداته، وخلفيته الثقافية، وخصائصه الشخصية، حتى يكون تمثيله للواقع – أي خريطته – غير قابلة للتحويل ولا التزوير.

لقد كانت لدينا جميعاً، خبرة مَا بالتعليق على حقيقة ملموسة في الماضي، مع أشخاص كانوا حاضرين، فَكُل واحد منهم عبر عن صيغة مختلفة للوضع. مِمَّا يؤكد أن لكل مِنَّا تفسير ورؤية خاصة به، تتبلور وفقا لخريطته هو، مختلفة تماما عن الحقائق الأخرى، لكن على الرغم من الاختلاف الحاصل، فإن جميع الإصدارات صحيحة. وعليه فإن النظر في هذه الأمور من هذا المنظور، يجعلنا أقل حسماً، وأكثر تفهما ومرونة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بفرض رؤيتنا للأمور، كما يتيح لنا فهم وجهات النظر المختلفة للآخرين.

كثيرا ما نَعتقد ونُقِر صادقين، بأن القرار الذي اتخذناه في لحظة معينة سابقا، كان أفضل قرار ممكن اتخاذه، بل هو قرار صائب ومعقول جدا. إذن كل شخص، وفي كل لحظة من حياته، دائما يختار ما يلائمه، سواء على المدى القريب، أو المتوسط، أو البعيد، فيختار الأفضل له استنادا إلى البيانات المتوفرة لديه وقتها، فعلى الرغم من أن طريقة تصرفه قد لا تكون الأحسن أو الأنجع، إلا أنها كانت تمثل الخيار الأفضل بالنسبة إليه وقتها، لذا فإن أي سلوك غريب أو غير مناسب أو حتى فظيع؛ كما يبدو في تلك اللحظة بالذات، كان أفضل خيار متاح يمكن اختياره، طبعا بناءً على خريطته، نظرا لأن الأسباب التي دفعته لاتخاذ هذا القرار أكثر قوة بكثير من المخاطر والأزمات المترتبة على عدم اتخاذه. 

الإنسان بطبيعته يأمل دائمًا أن يَعيش سعيدًا ناجحًا، لكن في غِيَّاب الوَعْيْ والعِلْم، فإنَّ طُول العمر قد يضرّه ويحزنه ويؤذيه، إِذْ يفني شبابه وبشاشته ويلغي ابتسامته في وقت قصير جدًّا
 

ولهذا حتمًا فإن جميع السلوكيات من المحتمل أن تكون مفيدة، فَوَرَاءَ كل سلوك، هناك دائما نية إيجابية، سواء في أصلها أو في نقطة البداية. كثيرا منها يظهر عن طريق الصدفة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، النجاة من سقوط محقق من على شرفة، سبب مباشر وكافي لتضخيم حالات الخوف من المرتفعات، فبالتكرار والإهمال، تطور هذا الخوف من ردة فعل طارئة، هدفها الوحيد الوقاية والابتعاد عن الخطر، وَنِيَّة مُفيدة، إيجابية وضرورية لتحقيق النجاة، إلى حالة مرضية معقدة جدا، فأصبح يمنع صاحبه الاقتراب حتى من النوافذ المغلقة، لأن تكرار نفس التجارب بالاعتماد على نفس الخريطة، سوف يقودنا حتمًا إلى نفس النتائج، وإذا لم نحصل على ما نريد، يجب علينا تغيير الاستراتيجيات.

عندما تقوم بتغيير برمجتك الذاتية سوف تحدث تغيير في حياتك إذن المعلومات التي سيتم تقديمها معلومات قيمة جدا ودقيقة جدا تستطيع من خلالها القيام بنهضة داخلية لا حدود لها. في الحقيقة ليست مجرد معلومات عادية بل هي تجارب حقيقية من صلب الواقع نحاول قدر الإمكان ترجمتها إلى كلمات وجمل مع تحميلها بقوة كبيرة من الأحاسيس التي كانت مصاحبة لهذه التجارب من بدايتها إلى نهايتها، إذن أي إنسان يتطلع إلى مستقبل أفضل إلا أن هناك معوقات أساسية عميقة تتعلق بالماضي وبرمجته طريقة العيش في الحاضر خصوصا وأنه يمثل اللحظات الحقيقية التي أعيشها في الوقت الحالي وعلى أساسها سوف يتم تحديد مصير حياتي ومستقبلي سواء تعلق الأمر بالأمور المادية أو المعنوية.

 

إذن معرفة هذه الحقيقة بشكل دقيق سوف يجعلني أكثر واقعية وأكثر موضوعية في بناء ركائز قوية ومنوعة في طريقة التفكير والتحليل والاستنباط التي يقودني حتما إلى الحركة بواسطة مركبة فلادية عجلاتها الحكمة ومحركها الرشد، لو تمعنَّا قليلا في الحاضر فسوف نجده نقي لا تشابه شائبة لكنه يتكدر دائما بتجارب الماضي السحيق أي البرمجة السابقة أو الخوف المرضي الدفين من المستقبل، وهو من أعدا أعداء الإنسان، لأنه الاعتقاد سلبي عميق يمنع الإنسان من التقدم والازدهار. الإنسان بطبيعته يأمل دائمًا أن يَعيش سعيدًا ناجحًا، لكن في غِيَّاب الوَعْيْ والعِلْم، فإنَّ طُول العمر قد يضرّه ويحزنه ويؤذيه، إِذْ يفني شبابه وبشاشته ويلغي ابتسامته في وقت قصير جدًّا، ولا يتبقَّى له من حلوِ العيش غير مُرّه، فلا يستطيع فعل أي شيء يَسره ويفرحه.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة