ماسبيرو.. وخبيئة وادي الملوك!

ماسبيرو.. وخبيئة وادي الملوك!

لما شعرت فرنسا بقرب أجل مبعوثها البار إلى مصر "أوجست مارييت" أعدت نائبا له كي يرعي مصالحها المرتبطة بآثار مصر، فوقع الاختيار على "جاستون كاميل شارل ماسبيرو" الذي ولد بباريس في 23 يونيو عام 1846 لأبويين مهاجرين من إيطاليا، وكان على علاقة بمارييت منذ عام 1867، فتتلمذ على يديه وبرع في علم المصريات والهيروغليفية وأجاد العربية، ووصل مصر قبل وفاة مارييت بثلاثة عشر يوما فقط، وبالتحديد يوم 5 يناير 1881، فخلفه في إدارة متحف بولاق، وأجاد في مهمته حتى أنه فاق أستاذه في إجادة الهيروغليفية، فضلا عن أنه كان كاتبا يهوى التأليف؛ حتى أصبح له خلال وقت قصير مؤلفات عديدة عن المصريات راجت بين القراء في أوربا وأمريكا.

   

وكان لكتاباته تأثيرا إيجابيا على وعي الناس بالآثار المصرية، كما اجتهد في القيام بأعمال الحفر والتنقيب، فاستكمل الحفريات التي بدأها مارييت بسقارة وحصل من خلالها على ما أثري اللغة المصرية القديمة، كما واصل أعمال الحفائر بمعبدي ادفو وأبيدوس، واستكمل إزالة الرمال من حول أبو الهول، هذا فضلا عن قيامه بإعادة ترتيب المتحف المصري ببولاق ونقل محتوياته إلى متحف القاهرة الحالي، وإنشائه أيضا المعهد الفرنسي للآثار بمصر وكان أول مدير له.

 

ورغم التنازع المستمر بين الفرنسيين والبريطانيين على إدارة الآثار المصرية، إلا أن اللورد كرومر – القنصل الإنجليزي والحاكم الفعلي لمصر بعد الاحتلال البريطاني لمصر – لم يختلف في البداية مع ماسبيرو، بل سهل له مهمته في إدارة المتحف؛ فعمل على ترتيب المجموعات الأثرية الضخمة، بل وسهل له عملية تأسيس مصلحة الآثار المصرية حتى أصبحت مؤسسة قوية اشتملت على خمس وحدات تفتيشية لتنظيم ومراقبة الحفائر في ربوع مصر، وبالرغم من ذلك فقد استمرت عمليات الحفر غير المشروع والتهريب.

 

بعد أن استلم ماسبيرو جثث الفراعنة، زاد من الاحتياطات الأمنية، وعزز الحراسة على المتحف ووضع ضوابط لمنع تهريب الآثار والاتجار فيها، بمساعدة العالم المصري أحمد كمال باشا

وفي يوم من الأيام وصلت أنباء إلى ماسبيرو بوجود تجارة رائجة لقطع آثار ثمينة بالأقصر، ودارات الشكوك حول عائلة (عبدالرسول) – وهي عائلة اشتهرت فيما بعد بتجارة الآثار وكانت تعيش بقرية القرنة – فبدأ ماسبيرو يبحث حول الأمر واعتقد أن استمرار بيع تلك الآثار دليل على وجود كنز في مكان ما بالأقصر، بل واستطاع من خلال رؤيته لبعض القطع والشارات الملكية وبعض المومياوات المُباعة التي ترجع لفراعنة حقيقيين – استطاع من خلال ذلك كله أن يتيقن بأن الكنز يرجع لمقبرة بوادي الملوك بالأقصر.

وبعد حيلة ناجعة، استطاع ماسبيرو الايقاع بعائلة عبد الرسول والوصول للمقبرة، وقد وصف ماسبيرو منظر المقبرة في أحد كتبه فقال: "ما اكتشفه العربان كان قبوا كاملا للفراعنة.. وأي فراعنة!، أعظم الفراعنة في تاريخ مصر؛ تحتمس الثالث، وسيتي الأول، وأحمس المحرر، ورمسيس الثاني الفاتح، … أظن نفسي في حلم وأنا أرى وألمس أجساد هذه الشخصيات الفريدة التي ما كنا نظن أننا سنعرف عنهم سوى أسمائهم"!، بعد ذلك تم نقل محتويات المقبرة إلى القاهرة في رفاص حكومي وسط عويل نساء الأقصر وإطلاق أزواجهن النار على شرف الملوك الراحلين إلى القاهرة!

 

وبعد أن استلم ماسبيرو جثث الفراعنة، زاد من الاحتياطات الأمنية، وعزز الحراسة على المتحف ووضع ضوابط لمنع تهريب الآثار والاتجار فيها، بمساعدة العالم المصري أحمد كمال باشا، وأستطاع أن يسن قانونا جديدا عام 1912 ينص على ألا يُسمح للأشخاص بالتنقيب، وأن يقتصر التنقيب فقط على البعثات العلمية بعد الموافقة على مشروعها، ولكن كل هذا لم يمنع التهريب، فانتشرت السوق السوداء على أيدي وكلاء المتاحف الأوربية والأمريكية!

 

وبعد أن قضى ماسبيرو شطر عمره بمصر، عاد في النهاية إلى باريس، وعُين هناك في مستشارا دائما لأكاديمية الفنون والآداب، وبعدها بعامين وبالتحديد في 30 يونيو 1916 توفي عن عمر ناهز السبعين ودفن هناك، أما هنا في مصر؛ وتكريما له وتقديرا لأعماله الجليلة ومساهماته في الحفاظ على آثار مصر؛ أُطلق اسمه على الشارع المواجه لكورنيش النيل بالقاهرة؛ والذي يوجد به الآن مبنى الإذاعة والتليفزيون والذي أخذ الاسم نفسه فيما بعد!