كيف تحول الدين إلى فزاعة مرعبة!

blogs قرآن

الدين أفيون الشعوب، هذا ما يقوله ماركس مؤسس الشيوعية، فلسفة ماركس التي تستند على إلغاء الطبقات لتحقيق عدالة اجتماعية بين الناس، هي ذاتها كانت سبباً لتاريخ طويل ومظلم للاتحاد السوفيتي في العالم. وليس الغرض من هذه المقالة الرد على ماركس، أو تقديم نصائح وعظية مهترئة كتلك التي يرددها أصحاب اللحى، بل لنتكلم عن فلسفة الدين، عن الفزاعة التي يفر الناس منها. خلق الله ﷻ الإنسان وأعطاه حرية مطلقة للاختيار بين الخير والشر، بين الفضيلة والرذيلة، (أَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا)، وجد فيه غرائز السباع وخصال الملائكة، يبدوا الأمر كأنه امتحان للإنسان على أرض هو مخلوق منها ومن ترابها، والإله ﷻ لم يترك الإنسان سُدى، فكان يختار من بين عبادة نماذج لتُجسد الكمال والفضيلة الإنسانية فأرسل رسله بالأديان.

إن المعنى الشامل لكلمة الدين نجده في مقولة عظيمة للنبي محمد (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) وتعريف الأخلاق علمياً هي تلك القيم التي يتبناها مجتمع كامل، والقيمة لا تُطلق إلا على شيء يُنمي الفضيلة في الإنسان، في مختلف جوانب حياته. فكلمة أخلاق تنقل الدين من إطار العلاقة الفردية بين الإنسان والإله، إلى النظام الشامل للحياة. وجوهر الأديان السماوية يدور حول ثلاثة محاور:

1- أن يعرف الإنسان خالقه، ويتوجه نحوه تأكيد على حريته المطلقة في هذه الأرض وأنه لا يخضع لمخلوق آخر.
2- غرس القيم التي تخدم الفضيلة في الإنسان لتنتج مجتمع بأخلاق تضمن الحفاظ على هذا المخلوق الجديد. وسيرة النبي محمد تجسيد مثال لهذه القيم.
3- إلزام الإنسان بالحفاظ على تلك القيم، بالترغيب بالثواب أو الترهيب بالعقاب، وبالأحكام الفقهية والشرعية في الدنيا.

مثال من القرآن يجسد تلك المحاور، سورة الفاتحة التعريف بالإله ﷻ (1-5)، قيم الدين في طريق الفضيلة (الصراط المستقيم)، الترغيب والترهيب (أنعمت عليهم – المغضوب عليهم – الضالين)، وهكذا باقي آيات الخطاب القرآني كلها تندرج تحت واحدة من تلك الفئات، وتُعززها بقص أخبار السابقين، ولو تأملنا قليلاً في تاريخ الدين اليهودي لوجدنا أنهم أخلّوا كثيراً بالقيم والأخلاق وكانوا يترددون بين الشرك والتوحيد، فجاءت المسيحية، ثم نرى تدميرهم لمحور التوحيد وعبادة عيسى عليه السلام فجاء الإسلام.

أصبحت الكُتب الفقهية مُجردة من الحديث عن القيم ولذلك ظهر عندنا مفهوم (مُتدين)، تُطلق على فئة معينة تجمعها روابط ظاهرية، كأنها حالة يعيشها الإنسان، ولو تعمقنا في حقيقة الدين لم يكن ليظهر عندنا هذا المصطلح

إن العبادات كُلها بأكملها تعزز محاور الدين الثلاث، ففريضة الصلاة محطة التزكية الأكثر تكراراً في حياة المسلم، ليس الغرض منها حركات الركوع والسجود والقيام، فالله غني عنها، بل هي تُذكر الإنسان بالإله ﷻ، بأنه يستند إلى ركن شديد بصفاته التسع وتسعين، محطة للتذكير بتلك المحاور الثلاث عبر الآيات التي تُتلى، ونحن حين نتأمل في آية مثل (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ) نُدرك ذلك جيداً.

 

لذلك ألزم الإنسان بها، وآية (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) مخرج للاضطرابات النفسية، حيث يتذكر الإنسان تلك القوة التي تقف خلفه، فيصغر في عينيه ذلك الضيق، إن الله ﷻ قال: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23)) دعوة صريحة وواضحة لنبذ القلق والخوف والخروج خارج إطار الكهوف والمُضي قدماً في الحياة مع التوجه دائماً نحو السماء.

الخطاب الديني الحالي في جوهره يقتصر على الوعظ، (أتقوا الله) ولم نفهم جوهر التقوى أساساً، الدين عندنا ليس إلا فرائض فقط، صلوات وصيام ومسبحة، وخلافات طاحنة لا أصل لها، حتى الكُتب الفقهية مُجردة من الحديث عن القيم ولذلك ظهر عندنا مفهوم (مُتدين)، تُطلق على فئة معينة تجمعها روابط ظاهرية، كأنها حالة يعيشها الإنسان، ولو تعمقنا في حقيقة الدين لم يكن ليظهر عندنا هذا المصطلح لأن كل فضيلة يتبناها إنسان هي جزء من الدين.

فلباس المتدينين مثلاً يكون جلباب قصير للرجال، ولقد قصّر النبي محمد لباسه لأن كبار القوم كانوا يفعلونها خيلاء وإعجاب وأستنانّا بالملوك، ولم يعد هذا الأمر موجوداً فلماذا نضعه كمعيار للفضيلة والتقوى! والحجاب شُرع ليجعل المرأة خارج بيتها إنسانة وليس أنثى، ليظهر الجانب الإنساني فيها، لتُخاطب عقل الرجل شريكها في الرحلة، وليس شهواته، الأمر ليس قطعة قماش فحسب! الصورة الذهنية المرتبطة بالدين في إنسان القرن الـ21 هي أنه نزل ليقاضيه، جاء لقطع الأيدي والأرجل من خلاف، جاء بالجلد والرجم، ليقاتل الكفار، إن الإله قادر على أن يخسف بنا الأرض لو كان هذا غرض الدين فقط. وبسبب نفس الصورة يخاف الناس بل العالم من صعود حكومة دينية لا سيما إسلامية لحكم دولة.

إن الدين لم يأتي لانتشال الإنسان من طبيعته، ليضعه في طبيعة أخرى تعكس خصائصه وترهقه، بل جاء ليؤكدها، لينظمها، ليديرها، ليهديه إلى الصراط المستقيم، لأفضل طريقة في استغلال خصاله، جاء ليكفي الإنسان عناء الرحلة .. (مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ)، ولم يأتي ليضعه في حالة من القلق من العذاب والخوف الدائم من الأخرة وإهمال الأرض التي أستخلف فيها، فالإنسان دودة الأرض.. وابن السماء! لم يأتي الدين ليُخدر الإنسان عن كُل فساد في هذه الأرض، بل ليدفعه لمواصلة الرحلة، للإصرار على الوصل للنهاية رغم كل شيء.