بن علي هرب، هرمنا.. هل طويت الصفحة وانتهت الحكاية؟

رن جرس هاتفي النقال وإذ بصاحب-توفي مؤخرا رحمه الله-يقول لي بثقة: الزين راح، فأجبته وأنا أتابع الأخبار بسرعة: ليس مؤكدا حتى الآن، والأمور غير واضحة. وهذا الموقف مني طبيعي جدا، فقد عركتنا الحياة، وجعلتنا صدماتها نتحفظ قبل تصديق أي خبر دون تثبّت فوق التثبت! ولكن المتصل كرر: سري، اسمع مني زي ما بقلك، الزين روح خلص، راح انتهى صدقني! كان الرجل قد عاش أعواما عدة في تونس وخبر أوضاعها عن كثب، ويعرف لهجة أهلها المحكية جيدا…وفي لقائنا في اليوم التالي سيقول لي بفخر: مش قلتلك، زين العابدين شرد؟!

 

سجود ودموع

ولم تمض سويعات على ذاك الاتصال الهاتفي، إلا وقد تأكد الخبر؛ الذي لم ولن أملّ من إعادته: زين العابدين بن علي غادر تونس.. يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. انهمرت الدموع من عيني وهرعت إلى القبلة وسجدت لله شكرا، أن أحياني حتى أرى هذا اليوم، فما أروع الفرحة وأجملها بزوال الطغاة؛ ولربما كنت أتمنى نهاية أبشع للطاغية، شبيهة بنهاية معمر القذافي بعد ذلك بشهور، ولكن قلت لنفسي: وأخيرا رأينا يوما كيوم شاه إيران في بلاد العرب؛ لقد فرّ الطاغية من أرض تونس التي بطش بشعبها وعبث بمقدراتها، وسرق ثرواتها هو وامرأته ليلى الطرابلسي وأهلها وزبانيتهم المجرمين.

 

كنت قد تابعت خطاب بن علي المشهور: أنا فهمتكم، أي نعم أنا فهمتكم! الآن؟ بعد 23 سنة من السرقة والقهر والدكتاتورية والاستبداد، أم كانت حيلة يائسة لامتصاص بركان الغضب الشعبي؟ وتابعت مستشعرا عظمة الله في مداولة الأيام، إزالة صور الطاغية من الشوارع والميادين في المدن التونسية، سواء على يد الثائرين، أو على يد القوات المسلحة. وبدأت الأخبار تتوارد تباعا لنقل أخبار ما بات يعرف بلا خلاف بأنه ثورة شعبية حقيقية، وليس مجرد أعمال عنف أو احتجاجات واضطرابات هنا وهناك، بعد الحادثة المعروفة لتفجر شرارة الثورة، حينما أقدم (محمد البوعزيزي) على حرق نفسه في مدينة سيدي بوزيد وسط البلاد.

 

بن علي هرب.. هرمنا
كلمات من القلب، وصرخات من أعماق الروح التي تحررت في المغرب العربي، في شمال أفريقية، لامست قلوبنا في المشرق، واستقبلناها بتطيير قبلة على جبين تونس وأهلها الذين أثبتوا أنهم ليسوا عبيدا في مزرعة الطاغية

وكيف ننسى منظر الرجل الذي كان يصرخ ليلا في شارع الحبيب بورقيبة، وسنعرف لاحقا أنه المحامي اليساري (عبد الناصر العويني) ويبشر الشعب التونسي بهروب المجرم، متحديا منع التجول، وذلك في مثل هذه الأيام في عام 2011، وكانت وستظل كلماته وصرخاته محفوظة ومنها:

 

الحرية لشعب تونس العظيم..بن علي هرب

بن علي الكلب

ما عادش تخافوا هزوا روسكم

معادش تخافوا من حد

تحررنا..الشعب التونسي حرّ

 

مع تذكير مما جرى في سنوات حكم الهارب من سرقة وسجون وظلم وقهر والعودة على بدء:

 

بن علي هرب.. بن علي هرب بن علي المجرم هرب

السارق هرب.. السفاح القاتل هرب

يحيا الشعب، تحيا الحرية، تحيا تونس الحرة

 

كلمات من القلب، وصرخات من أعماق الروح التي تحررت في المغرب العربي، في شمال أفريقية، لامست قلوبنا في المشرق، واستقبلناها بتطيير قبلة على جبين تونس وأهلها الذين أثبتوا أنهم ليسوا عبيدا في مزرعة الطاغية، وأنهم كما عبّرت إحدى نسائهم لاحقا، كما ظلمهم في 23 سنة، فإنهم اقتلعوا عرشه في 23 يوما.

 

في اليوم التالي 15/1/2011م سنرى عبر شاشة الجزيرة رجلا لن ننساه أيضا، يعبّر بصدق وتلقائية وعفوية عن كل ما جرى ويلخص المشهد لشعبه وللعرب والمسلمين والعالم بأسره: ((فرصتكم أيها الشباب التونسي، تستطيعون أن تقدموا إلى تونس ما لم نقدم لها نحن، لأننا هرمنا، هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية)). كلمات هذا الرجل تعبر عن حقيقة شعور ملايين العرب المحكومين بنار الاستبداد والقهر والكبت والظلم وسياسة فرعون (ما أريكم إلا ما أرى).

 

والطغاة يعرفون هذا ويدركون أن المصفقين والطبّالين(المطبلاتية) وحملة المباخر وسائر المنافقين والمتملقين، إما يدفعهم الخوف، أو المنفعة، ولا خوف يدوم، والمصالح والمنافع تتغير حسب الظروف، وسواء كان خوفا أو طمعا فإن هذه الفئة المنافقة لن ترى لها أثرا-كما ثبت واقعيا- حينما تثور براكين الثورة.

 

ومشهد الطاغية وحوله أناس يهتفون ويصفقون، وعددهم كبير في الظاهر بحيث ترى أولهم وعينك لا تبصر آخرهم في ميدان ما، هو مشهد زائف، وسراب خادع، ولا يصف أو يشفّ عن حقيقة رغبة وشعور الشعوب، التي عبّر عنها الحاج/أحمد الحفناوي، صاحب مقولة (هرمنا) كما عرفنا اسمه وتابعنا أخباره لاحقا…فالجماهير كانت وما زالت تنتظر لحظة رحيل الطغاة.

 

الوضع السياسي والاقتصادي في تونس ليس على ما يرام، هي وسائر بلاد الثورات العربية؛ فهل كان ما جرى حلما جميلا عشناه ذات شتاء، لينقلب المشهد، إلى حالة نقول فيها: ليت ما جرى قبل ثمانية أعوام ما كان
 
بؤرة لأدوات القهر

معروف أن مشكلات الأنظمة العربية فيما بينها كثيرة، منها ما هو من صنعها، ومنها ما هو من صنع المتحكمين بها وراء البحار، وفي السفارات، وشهدت المنظومة العربية انقساما شديدا، بعد أزمة الخليج في 1990 وما تلاها، ولكن مع هذا الانقسام والاختلاف والتشكك، بل حتى مع القطيعة التي تحكم علاقات عدة دول عربية فيما بينها…مع كل هذا، نجح الدكتاتور الهارب لاحقا (بن علي) في ابتكار اجتماع وزراء داخلية الدول العربية، بغرض مكافحة (الإرهاب) وهو الشعار الذي تختبئ خلفه حقيقة كون الاجتماعات واللقاءات والبروتوكولات تهدف إلى مصادرة حرية الشعوب والإمعان في قهرها وإذلالها؛ وأتذكر كاريكاتير في صحيفة محلية فلسطينية، يظهر المجتمعين في تنافس كل يحمل أداة تعذيب يتباهى بها أمام نظيره!

 

نعم، فمع وجود مشكلات صحية وانتشارا لبعض الأمراض، ووجود أطباء متفوقين في دول عربية دون أخرى، لم يجتمع وزراء الصحة العرب-متجاوزين خلافات دولهم- اجتماعات ناجحة تقود إلى محاربة الأمراض وتطوير أداء الخدمات الطبية. ومع أن هناك أراض زراعية وثروة حيوانية وسمكية ومشكلات تصحّر وجفاف، لم يسارع العرب لعقد اجتماعات لوزراء الزراعة والريّ لتبادل الخبرات وتكامل الأداء وتحقيق الأمن الغذائي…فقط نجحت اجتماعات وزراء الداخلية، أين؟ في تونس، التي ابتكرت سياسة (تجفيف المنابع) والتي تعني سلخ الشعب عن هويته الإسلامية حتى في أبسط مظاهرها وفق إجراءات مبرمجة محكمة. والنتيجة أن طاغيتها الذي حكم البلاد بنظام بوليسي بالحديد والنار، وصدّر تجربته إلى غيره، يهرب عند ثورة الشعب…وبالتالي هذا يجب ان يزيد ثقتنا بالله، وأن ما جرى كان من مكر الله وهو خير الماكرين، فأرانا شيئا من معجزات العصر.

 

ما تبقى من الحلم؟

والدة محمد البوعزيزي وشقيقته في كندا بعدما حصلتا على لجوء، والسبب التهديدات والإشاعات التي لاحقتهما في تونس؛ والحاج (هرمنا) خسر المقهى الذي كان يملكه، وبعض كتبة الثورات المضادة يقولون على لسانه كلمات لم يقلها، فقد حرصت على متابعة مقابلاته، فهو ما زال يؤمن بالثورة، مع أن الحيّ لا يؤمن عليه من الفتنة، لكن ثباته وتفاؤله حتى الآن رائع.

 

والوضع السياسي والاقتصادي في تونس ليس على ما يرام، هي وسائر بلاد الثورات العربية؛ فهل كان ما جرى حلما جميلا عشناه ذات شتاء، لينقلب المشهد، إلى حالة نقول فيها: ليت ما جرى قبل ثمانية أعوام ما كان، ويا ليت الأوضاع بقيت على سابق حالها؟ سؤال/أسئلة تراودنا ونحن نعيش ذكرى ثورة تونس الخضراء ونستذكر فيها صرخات (بن علي هرب) وكلمات (هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية) ويجب أن نجيب عليها ليس بدافع اختلاق تفاؤل كالذي عشناه، ولا الخضوع لظرف اللحظة وضغطها، وهو ما سأحاوله في المقال القادم بعون الله تعالى.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة