أن تكون صوماليا في أيامنا.. الهوية والهجرة والوطن

انزعجنا جميعاً من مصطلح الصوملة التي يستخدمها الأعلام العربي وانزعجنا كذلك الكليشيهات التي يروجها الإعلام العالمي عن الصومال، من مجاعة وحروب وتطرف وقراصنة وغيرها من الظواهر السلبية التي ظهرت في الصومال في فترات مختلفة. فنحن أمام هذه الموجات الإعلامية التي تغطي هذه الظواهر السلبية وهذا الموجات لا تؤثر رؤية العالم تجاهنا وحسب يل تؤثر رؤيتنا لذاتنا. ولذلك من أجل أن نصنع مستقبلاً جميلا علينا أن نسعى تغيير الواقع الذي يصنع المستقبل، بداً من إعادة النظر في هويتنا حتى ننظر أنفسنا بشكل مختلف، فنحن لسنا صوماليون باختيار ولهذا نمتلك خيارا تجديد انتماءنا بالشكل الذي نرغبه.

هذا المقال يمثل كل الأجيال التي ترغب تجديد هويتهم. فكما نعرف أن مجتمعنا الأن يعيش حالة من الفشل الأخلاقي والثقافي وفقراً اقتصاديا وفشلا في مستوى السياسة. فهذا الظواهر لن تسمح أجيالنا القادمة أن تعيش بشكل طبيعي، فيجب علينا أن نبدل كل الجهد لتغير هذا الواقع، فتغير هذا الواقع ليس بالضرورة ان يبدأ من السلطة، بل من الضروري أن يشعر كل وأحداً منا أن عليه مسؤولية تجاه هذا الوطن أي كان دوره.
 

أن تكون صوماليا في هذا العصر يعتبر إشكالية نفسية وفلسفية قبل أن تكون سياسية واجتماعية، فهناك عدة ظواهر تحيط بنا نحن الصوماليين من كل الجهات، وهذه الظواهر شكلت سيكولوجيتنا وتصوراتنا عن الذات وعن الأخر أيضا. ومن الأمور المهمة التي شكلت سيكولوجية أي إنسان صومالي في هذا الوقت هي الحروب الأهلية والتي فرضت علينا اللجوء والهجرة وجعلتنا أمة متشتتة، فإن ذاكرة الحروب الأهلية تمثل نقطة محورية في تاريخ مأساتنا الإنسانية.

 

ما يجب أن نبحثه اليوم هو أن نعيد تركيبة النظرية لمبرراتنا الانتمائية للصومال، وليس من الضروري أن نخلق قصص أسطورية أو خلق مشاعر رومانسية تغني لنا أهمية الانتماء للوطن

فما حدث بالفعل كانت كارثة إنسانية تجاوزت كل القيم والمبادئ الإنسانية، فنحن هذا الجيل الذي ورث هذا الإرث الغريب والمخيف، وجدنا أنفسنا متورطين في هذا الواقع المخيف وغير الأخلاقي، ولم يكن لنا أي خياراً في أن نكون صوماليون في هذا الوقت العصيب، لم يكن أمامنا خيارا سوى أن نقبل أن نكون صوماليون في هذا الوقت، فهذا الخيار لا يجب أن يكون رد فعلا عاطفي وحسب، بل من الضروري أيضا أن نؤسس السرد الأدبي الذي يبرر لنا أن نكون صوماليون في أصعب الأوقات، وأن يرث أجيالنا القادمة معنى أخر لأن تكون صوماليا، ويختلف كليا عن السرديات التي صنعت أجيالا كاملة من الصوماليين.

ما يجب أن نبحثه اليوم هو أن نعيد تركيبة النظرية لمبرراتنا الانتمائية للصومال، وليس من الضروري أن نخلق قصص أسطورية أو خلق مشاعر رومانسية تغني لنا أهمية الانتماء للوطن، فهذه لم تعد تجدي نفعا أمام موجات القهر والظلم المعاصر الذي يقع على الإنسان. فحجم المعاناة التي يتلقاه الإنسان من داخل وطنه تجعله أحيانا يكفر بفكرة الوطن بشكل نهائي، حيث تكتسب معاني مثل الحياة الكريمة والاستقرار النفسي أهمية قصوى، تجعل الوطن مجرد بقعة جغرافية لا قيمة لها.

 

ونحن لا نريد أن نجعل الوطن مجرد بقعة جغرافية ويستحيل أحياناً أن يتحول إلى بقعة جغرافية لا معني له، حيث تقف الذكريات واللغة عائقا أمام هذا التحول، فذاكرتنا أصبحت مرتبطة بالوطن وليس ارتباطا عاديا بل ارتباطا أبدى حيث تشكلت ذاكرتنا وشخصيتنا في داخل الوطن، وهذه تجعل عواطفنا تعيش ارتباطا أبديا مع الوطن. سنتحدث عن جدلية الوطن والهجرة لاحقا. لكننا سنتطرق الأن إلى مشكلتنا الانتمائية التي أصبحت تمثل عائقا أمام خلق سردية وطنية جديدة تخلق لنا معنى أخر لأن: تكون صوماليا في أيامنا.

التحديث وطبيعة الهوية:

الهوية الصومالية مكونة من ثلاثة عناصر متداخلة وهي: القبيلة والدين والقومية، وكل صومالي تقريبا هو مسلم ينتمي إلى قبيلة وينتمي أيضا إلى القومية الصومالية التي تقطن منطقة القرن الأفريقي، ولهذا هل من المعقول أن نعيد تركيبة الهوية الصومالية مرة أخرى؟ إن إعادة تشكيل الهوية موضوع مثير وحساس، وتأتي المشكلة من طبيعة الهوية، هل هي مرنة أو صلبة، وهل الهوية ذات تركيبة بيولوجية يصعب إعادة تركيبتها، أم أنها لها تركيبة اجتماعية تشكلت من خلال التربية والتنشئة الاجتماعية؟

قامت الدولة ما بعد الاستعمار إلى تدشين مشروع جديد سمي مشروع التحديث وهو مشروع اقتصادي واجتماعي وسياسي يسعى إلى خلق مجتمع حديث رأسمالي يتكون من طبقات مختلفة وبنية تحتية حديثة تستخدم المواصلات الحديثة والتكنولوجيا، هذه النوع من التحديث هو فعلا كان مجرد محاولة اللحاق بالدول الغربية، فهذه السياسات لم تنجح في إعادة تشكيل الهوية الصومالية، بل أكثر من ذلك أدى التحديث الفاشل إلى تعزيز الهويات الفرعية وذلك لأن مشروع التحديث لم يكن مشروعا وطنيا ينطلق من الأسس والمبادئ المحلية بل كان أجنبي الطابع واستعماري السلوك.

 

وهذه الهوية المكونة من العناصر الثلاثية أدت في نهاية المطاف الى حدوث خللاً في المستوى الولاء (القومية/القبيلة/الدين) وعاش الإنسان الصومالي حالة من الانفصام يتردد بين ثلاثة ولاءات متناقضة. ويعزى فشل المشروع القومي الصومالي إلى فشل تكوين علاقة ودية بين هذه الولاءات. وتكمن الصعوبة في عملية التفاعل بين هذه الولاءات الثلاثية، وكيفية الانتقال من التفاعل الخاطئ بين هذه الولاءات إلى تفاعل صحي ينسجم مع الواقع الحديث.

وإذا عدنا إلى التحديث فأننا في الواقع نعيش حالة تعتبر حداثة ناقصة حيث نستخدم إنتاجات الحداثة ونتفاعل معها رغم أننا نعيش حالة اجتماعية غير حديثة، فواقعنا الاجتماعي والثقافي تناقض الحداثة فعليا، لكننا نتفاعل مع الحداثة بصورة تقنية، فمجتمع الصومالي يستخدم التكنولوجيا بشكل كبير، لكنه في وقت نفسه مجتمع تقليدي يسودها الانتماءات العشائرية.

 

الهوية بطبيعتها الاجتماعية تتشكل وفق المتغيرات الاجتماعية والسياسية، فليس من الضروري أن نعلن العداء للعشيرة أو الدين أو القومية بل نسعى إلى تحديث هذه العناصر
 

وبغض النظر عن موقفنا المحافظ عن الحداثة الغربية التي تناقض مبادئ هذه الأمة، فأننا بالفعل نحتاج إلى تحديث ينطلق من الأسس الإنسانية التي تخدم مصالح الإنسان أينما كان. حيث يجد الإنسان الصومالي حياة كريمة من تعليم وصحة ورفاهية ونظام قضائي شفاف ودولة توفر له الخدمات وبنية تحتية قوية، هو ذلك التحديث الذي نرغبه كصوماليين ومن خلاله نسعى أن نعيد معنى أن نكون صوماليون.

 

فالهوية بطبيعتها الاجتماعية تتشكل وفق المتغيرات الاجتماعية والسياسية، فليس من الضروري أن نعلن العداء للعشيرة أو الدين أو القومية بل نسعى إلى تحديث هذه العناصر، وهذا سنتحدث إليه في فقرة أخرى، فما نحتاجه هو أن نجد أمة صومالية حديثة منسجمة مع ذاتها.

فكرة الوطن والهجرة:

"من الفضيلة ألا تعتبر نفسك في وظنك طالما أنت في وطن أخر"

– ثيودور أدورنو

عندما هاجر الفيلسوف الألماني ثيودور أدورنو إلى الولايات المتحدة شعر نوعا من عدم الانسجام وذلك بسبب أنه مهاجرا وسيظل كذلك طالما أنه جاء مهاجراً، فـ "لا إمكانية لوجود وطن بديل" أصبحت قناعة عنده، وأصبحت عبارته شهيرة تأكيداً لهده القناعة.

 

"نحن مهاجرون أو وافدون جدد تركنا بلادنا بسبب أننا يوما ما لم يعد يناسبنا أن نظل فيها، أو لأسباب اقتصادية بحتة، كنا نريد أن نبني حياتنا من جديد، وهذا كل ما في الأمر. ومن أجل أن يعيد بناء حياته من جديد على المرء أن يكون قويا ومتفائلا، وهكذا نحن متفائلون"

– الفيلسوفة الشهيرة حنة ارندت

كتبت حنة ارندت مقالة طويلة بعنوان نحن اللاجئين We Refugees تكشف مسيرتها الطويلة بداً من ألمانيا وصولا إلى الولايات المتحدة، بحثا عن حياة أخرى، وصارت كلمة للاجئين في المقام الأول رمزا لهم، ولكنهم على العكس يعتقدون أنهم وافدين جدد أو المهاجرين، لأن الهجرة هي بداية حياة جديدة ومحاولة لاكتساب مجتمعا وتاريخا جديداً، عكس كلمة لاجئين إذ أنها مفردة سلبية تذكرك بأنك كائن سيتعفن في المخيمات لا أكثر.

توضح حنة ارندت أننا نهاجر لكي نواصل حياتنا ولأننا نترك كل شيء لأجل أن تستمر الحياة، وكما كانت حنة ارندت متفائلة عندما هاجرت إلى أمريكا بحثا عن ملجأ، وهروبا عن الموت فقد كان هناك معاناة أخرى في انتظارها. والإنسان دائما يهرب من المعاناة ليجد هناك معاناة أخرى تنتظره. وبالتالي أن تخرج من بقعة جغرافية اعتقدت طيلة حياتك أنها موطنك، لتبحث عن موطن أخر وعن مجتمع أخر، فأنت تخسر شيئا لتكسب شيئا أخر او بعبارات حنة ارندت؛ نحن نخسر كل شيء ومن خلال هذا التمزق نكتسب حياة أخرى.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة