فابحثوا حينها عن قاتلي

على مدى أعوامٍ ثلاثة، ونحن نطالب الدولة بـ"حق الشهداء". وعلى مدى هذه الأعوام استجابت الدولة لمطالبنا بقتل المزيد منّا وإلحاقهم بقافلة الشهداء.

 

إنّ "حقّ الشهداء" هو أمر عظيم بلا شك. هل يجادل في ذلك أحد؟ ولكن ما دامت استجابة الدولة لمطالبنا هي معكوس مطالبنا، فعلينا أن نفكر ولو قليلاً في واقعية ونجاعة طريقة نضالنا للوصول إلى هدفنا المرجو. وعلينا أن نطرح على أنفسنا عدة أسئلة: ما الذي نعنيه بحق الشهداء؟ وبمن يتعلق هذا الحق؟ هل يتعلق بالشهيد نفسه الذي غادر دنيانا وغدا في وجود آخر غير وجودنا، أم يتعلق بأقاربه وذويه، أم يتعلق بعموم المتظاهرين أو المعتصمين الذين سقط منهم، أم يتعلق بالمجتمع عمومًا في مقابل الدولة؟ أم يتعلق بقيمة العدالة في ذاتها، وبالقانون في ذاته؟ وكيف نحصل على حق الشهداء هذا؟ وبالأحرى، كيف نستحقه؟ وهل "المطالبة" و"الهتاف" هو طريق النضال الصحيحة لاستحقاق هذا الحق؟

 

العدالة ثمرة للعمل والسعي من أجلها، وليس مطلبًا نطالب به من ارتكبوا الجريمة عبر حناجرنا؛ لنقول له: من فضلك نفذ حكم الإعدام على نفسك!

من الجلي أنّ ارتكاب الجريمة لا يحتاج إلى قوانين ولا إلى إجراءات، لأنّ الجريمة هي خرق للنظام وكسر للقواعد. لا يحتاج المجرم إلى جهاز تشريعي وقضائي وتنفيذي لتحقيق جريمته. فالمجرم يندفع إلى الجريمة بدوافع آثمة فيخطط لها، ويرتكبها، ثم ينكرها بعد وقوعها. والمجرم لا يستغرق كثيرًا من الوقت لتنفيذ جريمته فزمان الجريمة قصير نسبيًّا؛ لأنها تتم خارج النظام.

 

وعلى عكس الجريمة فالقصاص عسير؛ لأن القصاص يجب أن يتم في إطار العدالة؛ والعدالة يتطلب تطبيقها تشريعات وتحقيقات وإجراءات؛ كما أنّ العدالة مبنية على وجود "نظام اجتماعي" تتحمل الجماعة البشرية تنفيذها؛ ولا يمكن أن يكون تطبيقها فرديًّا. هذا على عكس الجريمة التي من الممكن أن يطبقها فرد باسم جماعة خارجة عن النظام، وضد الجماعة البشرية التي ينتمي إليها.

 

وإن كانت الجريمة تتم بدوافع آثمة، وتحركها الغرائز، وتجسد الشر البشري وسنّة قابيل على الأرض؛ فإنّ القصاص على العكس يحتاج إلى "حكم عقلي". والحكم العقلي يحتاج إلى تحييد للغرائز، ويحتاج إلى نظام من التشريعات، والقوانين العقلية الأخلاقية القائمة على مبادئ ومرتكزات مطلقة غير اجتماعية. وما أقصده بغير الاجتماعية هنا ألا تكون صادرة عن فئة اجتماعية بذاتها تكرس مصالحها عن طريق التشريعات بحيث تخلق مصالح متضاربة مع الجماعة الأم.  

 

ولو سلمنا بصحة السابق، وملخصه أنّ الطريق الوحيدة للعدالة هو أن تتم داخل نظام، وإلاّ فسترتد إلى أفعال انتقامية ثأرية لا تقل شرًّا عن الجريمة ذاتها، ثم يُستدرج المظلوم مع الظالم في دائرة عنف مفرغة لا نهاية لها. فإن سلمنا بهذا القول، فلا أدري كيف اعتقدنا أنّ الوضع التشريعي الحالي، بتعديل بسيط، هو من سيحقق العدالة؛ فمضينا نطالب بحق الشهداء وما من مجيب.

 

إذًا، فما السبيل إلى الوصول لهذا الحق؟ الذي هو حق في إطار نظام العدالة وليس خارجها. أهناك طريق بخلاف بناء هذا "النظام" بأركانه الثلاثة التي تضمن نجاح العدالة بدءًا بإصدار الحكم وانتهاء بتنفيذه؛ أي الركن التشريعي والركن لقضائي والركن التنفيذي. ثمّ بناء اتساق في العمل بين هذه الأركان الثلاثة، واتخاذّ ضمانات نمنع بها وصول الفساد والثلة الفاسدة لسدة هذه الأجهزة الحيوية.

  

العدالة ثمرة للعمل والسعي من أجلها، وليس مطلبًا نطالب به من ارتكبوا الجريمة عبر حناجرنا؛ لنقول له: من فضلك نفذ حكم الإعدام على نفسك!

 

وصيتي إن أنا قُتلت ألا تطالبوا بحق لي؛ فحياتي سيقضي فيها العادل الذي لا يشوب عدله ظلم. أمّا أنتم فأوصيكم أن تسعوا في بناء أنفسكم، وفي بناء كيانكم الاجتماعي والسياسي الذي تستحقون لأجله العدالة. وأوصيكم ألا تحاولوا إصلاح القديم فقد تعفن، بل اهدموه وابنوا بناء جديدًا. وعندما تنجزون هذا الواجب؛ فابحثوا حينها عن قاتلي. 



حول هذه القصة

أُرسلُ نظرةً بائسةً على المكتبةِ المُهملة والتي ترتكزُ صدرَ الغُرفةِ فأرى مجموعةً من الرِّواياتِ والكتبِ جميعَهم قد اصطفوا بطريقةٍ عبثيَّة بعدَما غَلَّفَهُم غُبارَ النِّسيان طامعينَ بِنفخةٍ مني على جُلودِهم النَّاعمة.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة