أشياء لم تكن كما كانت

blogs - cat

أرى أحد أوجه البطولة المفقودة لديّ، في تلك القصة التي قرأتها عن ذاك الهرِّ ذو الوبر الأسود الحالك، الذي قَطعَ على نفسِه ثلاثةَ وعود صعبة التحقيق لنورسة ناصعة البياض، كانت تكافح وهي مرهقة الجناحين بعبء ما علق بها من الزيت الطافي كي تضع بيضتها الأخيرة، فهي آخر ما يملكه جسدها من قوة لتصبح بعد ذلك جسدًا هامدًا بعدما كانت يافعة تتنقل من شاطئ لشاطئ، تلتقط الأسماك تارة ووتارة أخرى تلتقط الديدان. كان الهر ذو الوبر الأسود الفاحم قد قطع على نفسه وعدًا لتلك النورسة ناصعة البياض بأن لا يأكل تلك البيضة، ويهتم بها ويرعاها حتى تفقس، وأن يُعلمها الطيران.

كان كلما يتذكر الوعد الأخير يشعر بأنّه فكرة جنونية غير منطقية مستحيلة يقف وبره لأجلها، إلا أنه قطع على نفسه وعدًا آخرًا وهو أن يفي بوعوده الثلاثة لتلك النورسة الناصعة البياض، فلم يأكلها، واهتمّ بتلك البيضة المنقّطة بالأخضر ما يقارب ثمانٍ وعشرون يومًا لم يفارقها حتى كاد جسمه أن يهمد، وكان يخشى استهزاء الهررة عليه لاعتنائه ببيضة بل يخشى على البيضة منهم. فكان هناك هرّ يبدو لأول وهلة لطيف وجميل، إلا أنه بداخله عراك من الضغائن، دائماً ما كان يقوم بحركات وإيماءات وكأنّه يهدد بأكل البيضة، حتى أنّه في أحد المرات اضطرّ لمواجهته فكاد أن يأكل البيضة مستغل ذهاب القط ذو الوبر الفاحم لإحضار طعامه ففوجئ بوجودهما حول البيضة.

فما كان منه إلا أن يشهر مخالبه العشرة عليه حتى تراجع ذاك الهر المتوحش، فما وجد طريق للاعتذار والهروب سوى أنّه أبدى نفسه بأنّه نباتيٌّ لا يحب اللحوم البتة، فانسحب هاربًا جارًا ذيل الهزيمة. وفي أحد الصباحات المشرقة والدافئة، قد استيقظ الهر ذو الوبر الفاحم على نعيق يشبه سمفونية قمر هادئة، على حركة ناعمة ووخزات لينة في وبره فإذا بالبيضة فقست وقد اجتازت بل واخترقت ذاك الحاجز الذي كان بينها وبين الحياة، واجدًا ذاك الهر الفاحم نفسه أمًّا لفرخة النورس الصغيرة، وجد صعوبة بمعرفة الطعام الذي يناسبها، تارةً قد وضع لها الجبن وتارةً أخرى الخبز الناعم وحاول بالسمك وبعض الأعشاب.

أوفى ذاك الهر الكريم، ذو المشاعر النبيلة بتلك الوعود، فالنورسة الأم عرفت أين تضع بيضتها، فأصبحت تلك البيضة نورسةً تكمل مسير أمّها، ليتها تعرقلت حياتنا بهرٍّ لا يمت للبشر بصلة.

أقبلت على رائحة السمك إلا أنها لم تستطع الأكل حتى اهتدى لأن يمضغ لها السمك ثم يطعمها بالرغم من أن السمك طعامه المفضل. إلا أنه استغنى وتنازل عنه لها واكتفى بالجبن فكان جل همه أن تأكل وتكبر وتترعرع حتى تصبح نورسة كبيرة قادرة على الطيران.   أخذت تناديه ب"ماما" حاول أن يجد لها اسمًا شاعرًا بالندم لأنه لم يستفسر عن اسم أمّها ليطلقه عليها فتكمل مسير أمها من بعدها، جابه الكثير من المخاطر لكي يحميها من تلك الجرذان الشرهة فلعابها لم يقاوم حتى سال طامعًا في تلك النورسة ولكي يوفّر لها سبل الأمان قام بعقد اتفاقية سلام مع تلك الجرذان تنص على ألا يتعرض أحد الجرذان لتك النورسة، وهو عليه أن يضمن لهم حياتهم من كل خطر يتعرضون له من قبل البشر. فقد تخلّص من هم الجرذان والحفاظ على أمان تلك النورسة، فأخذ يفكر كيف سيجعلها مستعدة للطيران، فقد مضى عليها ما يقارب أكثر من ستة أسابيع على خروجها من البيضة، فهو العمر الطبيعي لتعلمها الطيران.

أخذ يفكر كيف سيُعلمها الطيران ومن سيساعده، أخذ يذهب بها إلى الشاطئ لترى نوارس البحر علّها تطير، فما كان منها إلا الخوف عدا أنها اقتنعت بأنها هرّة وليست نورسة قادرة على الطيران، فأخذ يقنعها بأنّها نورسة والنوارس عالمها الفضاء الفسيح، وأنها عندما تطير ستشعر بالسعادة وأنه سيكون بجانبها في كل مرة تحاول الطيران ستكون السماء بأكملها لها. أخذ الخوف يتلاشى ويتلاشى بداخله وحلَّ محله الشوق والشغف بفكرة الطيران، عندما حل وقت تعلم الطيران، كان ذاك الهر الفاحم ذو القلب المعطاء دائمًا يحفزها ب "أنت تستطيعين، جريئة، قوية قادرة على التحليق والطيران في أعالي السماء" ففي كل مرة تُحاول أن تطير يتمنى بأن يصبح جناحين لتلك النورسة. حاول معها مرات طائلة ليجعلها تطير لكن دون جدوى، ترتفع عن الارض بضع سنتيمترات ومن ثم تسقط.

لم يمل من تلك المحاولات الفاشلة، على العكس وجد أن هناك أملًا كبيرًا في طيرانها، فاليوم تطير سنتيمترات غدًا ستُحلق أمتار الأمتار عدا أنه أدرك أنّه تقبلها واحترم وجودها بالرغم من الاختلاف الذي بينهم، احتواها وكأنها جزءٌ من كينونته ووجوده، وليس فقط أنه يريد أن يفي بوعده لأمها، فأخذ يستمر محاولًا أن يجعلها تطير، فأمله لم يخيب فبعد عدة محاولات أخرى تخطت السنتيمترات إلى أمتار قليلة،   إلى أن سقطت عينه على نورسة غريبة كانت على أعالي برج مطلًا على الشاطئ قد اتخذت ذاك البرج مطارًا لها، فلمع بذهنه أن يصعد بتلك الهرة إلى أعالي ذاك البرج.

في إحدى الليالي والرياح تتهادى بالأجواء قد صعد بها إلى ذاك البرج وضعها على أعلى شرفة وقال لها بصبرٍ وأبوّة "سوف تطيرين من هنا، لا تحبسي أنفاسك، تحسسي المطر وقطراته، ستجدين الكثير لإسعادك واحد منها الماء وآخر اسمه الريح، وكذلك الشمس التي تظهر دوما بعد الأمطار، بمثابة مكافأة، والقمر ونجومه اللامعة في وسط الظلام، ابسطي جناحك. فمدّ الهر إحدى كفّيه الأماميتين وربت على ظهرها بمنتهى الرقّة صائحًا:"طيري" فبسطت النورسة جناحيها بشجاعة طائرةً محلّقة مالكة السماء وأجوائه، غمرتها الأضواء، ونثر المطر على ريشها قطرات تتألق كاللآلئ، قائلةً: "أحبُّك كثيرًا أيّها الهر، إنّك أفضل الهررة في العالم، إنني أطير إنّني أستطيع الطيران" حلّقت فوق الرافعات في المرفأ وفوق السفن الراسية ثم عادت محوّمة مرة بعد مرة حول جرس ساعة البرج..

فأوفى ذاك الهر الكريم، ذو المشاعر النبيلة بتلك الوعود، فالنورسة الأم عرفت أين تضع بيضتها، فأصبحت تلك البيضة نورسةً تكمل مسير أمّها، ليتها تعرقلت حياتنا بهرٍّ لا يمت للبشر بصلة. لنكن مثل ذاك الهر لكن على هيئة بشر "إنسان" بالتأكيد..