كيف تسبب النظام السوداني في إشعال شرارة الثورة عليه؟

blogs السودان

لكل مجتمع مخزونه من القيم والطاقة الأخلاقية الداخلية يتوافر عليها عبر الزمن ويستند إليها وقت المحن والشدة، والوضع الاقتصادي والاجتماعي بالسودان وصل لمرحلة خطيرة جدا تنذر بالتفكك وانهيار المجتمع والدولة، وكل ذلك بسبب فساد الطبقة الوطنية الحاكمة منذ الاستقلال وحتى الآن وفساد الصفوة السودانية ككل (مثقفين وضباط ورجال أعمال وإدارات أهلية).

 

إلا أن نظام الرئيس الحالي يتحمل الوزر الأكبر، لعدة أسباب أبرزها طول فترة حكمه (حيث أنه وحده حكم السودان حتى الآن 29 عاما وهي فترة تعادل قريبا من نصف الفترة الوطنية (استقل السودان رسميا في العام 1956)، والسبب الثاني هو استفراده بالحكم فقد كانت له ولحزبه سلطة مطلقة دون شريك آخر، وفي عهده انفصل الجنوب ودارت الحرب في دارفور واستمرت في مناطق جبال النوبة والنيل الأزرق وفشل في تطبيع علاقاته الخارجية، وفشل في التوافق مع شركاء الوطن الداخليين، بل أدت سياسته التي قامت على مبدأ (التمكين) لعدة انشقاقات داخل الإسلاميين أنفسهم وهم شركاءه في الحكم.

 

كما أن طريقة إدارته للدولة ومؤسساتها قادت لتآكل هذه المؤسسات وفقدان الثقة فيها وفقدان الثقة فيما بينها، واستشرى الفساد بمستوى أوصل الدولة لحالة من العجز والتخبط وفقدان الرؤيا ينذر بانهيار كامل، فانهارت المشاريع الاقتصادية وفشلت كل محاولات الإصلاح للخدمة المدنية، وتجلى أثر هذا التخبط وسوء الإدارة وفقدان الإرادة في عسر الحياة والمعيشة، فلم يعد المواطن يستطيع أن يحصل على أبسط الضروريات اليومية إلا بشق الأنفس، وفقد الناس الأمل أو يكاد وانسد أى أفق للخروج والحل، وأصبح التردد وفقدان الرؤية متلازمتان لسلوك الحكومة، وساد الخوف وسط الناس على مستقبل البلد وكيانه.

 

الشعب السوداني يمتاز بقدر من التسامح قلَ أن تجد له نظير ولديه آلياته الشعبية والأهلية البسيطة لحلحة الخلافات حتى ولو وصلت هذه الخلافات لمرحلة إسالة الدماء

فانعدمت مظاهر الدولة وسلطتها وتقزمت في عيون الناس حتى كادت أن تتلاشى، وأصبحت دولة جبايات بجدارة يقتات الحاكمون فيها على جيوب الضعاف وظهرت طبقة كاملة من النفعيين والمضاربين عديمي الضمير واستأثرت بكل شيء ولم تقدم أي شيء، وتتاجر في كل شيء من الطعام والدواء وقوت الغلابة دون رقيب او حسيب، وحصل انسداد اقتصادي كامل قاد إلى انسداد سياسي واجتماعي وتآكل في المخزون الأخلاقي والقيمي وضعف في التماسك الاجتماعي، وضربت السودان أصناف من الأزمات وتعمقت واستطالت وتنوعت في شكلها حتى يكاد المرء أن يجزم أن ما يلف السودان من أزمات بسبب سوء الإدارة وعدم الفاعلية والفساد، أن هذه الازمات لو أصاب عٌشرها أعتي دولة في العالم لانهارت وتفككت وأصبحت أثراً بعد عين.

إذن فلماذا لم ينهار السودان رغم كل ذلك حتي الآن؟ ويمكن ذكر الأسباب الاتية:

للشعب السوداني ثلاث صفات فريدة وهي في تقدير ممسكات اجتماعية صلبة قل أن تجتمع هذه الصفات بذات القدر لأي شعب في الأرض وهي:
أ‌- الشعب السودان يتمتع بمستوى من الصبر والجلد لا يوجد عند شعب آخر، حتى يُخال للمرء أن هذا الصبر لا يعدو أن يكون (ذل واستكانة للظلم) وذلك لمن لا يعرف الشعب السودان. وتشعر أنه شعب متطبع مع الأزمات وكأنه مدمن لها فهو شعب خبِر وبكل أسف وطيلة فترة الحكم الوطني خبِر كافة أشكال الأزمات والنكبات بكل أنواعها ورغم عن ذلك لم تفت في عضده.

ب‌- هذا الشعب يمتاز بقدر من التسامح قلَ أن تجد له نظير ولديه آلياته الشعبية والأهلية البسيطة لحلحة الخلافات حتى ولو وصلت هذه الخلافات لمرحلة إسالة الدماء.

 إرادة الشعوب في الحياة اقوى، فحالة التململ الشعبي العفوي التي يشهدها السودان حالياً دليل عملي على إحساس الشعب السوداني بأن جرعة الظلم والفساد واللامبالاة وصلت لمداها
 إرادة الشعوب في الحياة اقوى، فحالة التململ الشعبي العفوي التي يشهدها السودان حالياً دليل عملي على إحساس الشعب السوداني بأن جرعة الظلم والفساد واللامبالاة وصلت لمداها
 

جـ ‌- هذا الشعب لديه ذخيرة وافرة من التكافل وتجارب ثرة وعميقة في هذا الشأن، وتتجلى عبقرية التكافل والتراحم في كل المناسبات السعيد منها والمؤلم، حتى ألعاب الأطفال الجماعية في الأرياف والأحياء تتشكل على هذه القاعدة، وكأنها مدخورٌ ثقافي عميق لم تنل منه كل عاتيات الحياة العصرية وعنفوانها.

لكن وبكل أسف هذا المخزون من القيم والأخلاق بات اليوم في تآكل شديد، فقد عمدت الصفوة المتحكمة في السلطة والمال وأدوات الفعل، عمدت هذه الصفوة وبسبب الفساد المستشري فيها إلى تدمير هذه القيم وآلياتها المعبرة عنها بشكل منهجي، حتى لتظن أن هنالك مشروع منهجي مدروس لتفتيت عُرىَ هذا الشعب، بالفقر والحروب والفساد والتجييش العنصري والقبلي، يتلاقى هذا المشروع مع جهد استخباري عالمي مدروس ومنسق لإعادة تشكيل هذا الشعب على قيم أخرى، قيم تقوم على الأنانية والجشع وتحقير الآخر وازدراءه إلى أن تصل المكونات الاجتماعية لفقدان الثقة في نفسها وفيما بينها وفي قيمها.

لكن إرادة الشعوب في الحياة اقوى، فحالة التململ الشعبي العفوي التي يشهدها السودان حالياً دليل عملي على إحساس الشعب السوداني بأن جرعة الظلم والفساد واللامبالاة وصلت لمداها، وأن الخروج للشوارع ليس من أجل الخبز فقط، وإنما لاسترداد شيئاً ثميناً من أيدي السارقين. فللحِلم مدى، وغضبت الحليم ليس لها مدى.