أيهما أفضل.. حقيقة مرة أم وهم مريح؟!

blogs التأمل

"الحقيقة المُرة أفضل ألف مرة، من الوهم المريح"

– محمد الغزالي

للحقِ ثمنٌ باهظٌ، يدفعه الإنسانُ مِن راحته وهنائه؛ إذ هو الوقوف في وجه الباطل، الذي تزداد رقعته في الأرض كل ساعة، والحق أشكالٌ وصور شتى، مواقف وكلمات، لكل منها ثمن، وعلى قدر تضحية الواحد منّا بسعادته ورخائه تكون المنزلة، ولكن ما مكانة الحق في حياتنا؟ هل هو عسير الوطأة، شديد الوقع، صعب التسليم، لا نركن إليه بسهولة؟ أم أنّ نفوسنا في انتظار لتثبيته، وتصالح معه، وانتصار له، وهل يغيب الحق وتختفي صورته، أم أنه حاضر لا يعرفه الغياب؟ وهل سألنا أنفسنا يومًا ماذا قدمنا له، ليظهر على الباطل؟ وهل للتخاذل دور في القهر والهزيمة التي نعيش؟ ولماذا يتحدث البعض بلسان الحق، اليس هو ناطق؟

ما أصعب أن يحيى الإنسان في حياة يعلو فيها الباطل على الحق! إذ يكثر عمل الذين يبنون باطلًا يعلو باطلًا وفي ظاهره حق يثبت حقًا باسم الدين والثوابت وإلى آخره من الحجج الواهية يقول ابن رشد: "إذا أردت أن تتحكم في جاهل، فعليك أن تغلف كل باطل بغلافٍ ديني". ما أكثر الذين يجيدون فعل ذلك بكل مهارة، يخلطون الأوراق بعضها ببعض سريعًا، ويتبعون بعض آرائهم آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية، بغير فهم حقيقي لتفسير الآية، أو وقوف صحيح على مراد النص النبوي الشريف.

وسُرعان ما يضعون الكرة في ملعبك، حتى إذا ما أظهرت نقدًا او اختلافًا من حقه التمحيص والتثبيت، والتصحيح، قالوا أنك تطعن في القرآن والسنة، أو أنك صاحب رؤية مغايرة للإسلام، أي عبثٍ هذا؟ إن الذين يسارعون في ذلك قولًا وعملًا هم على الامة والدين أخطر من العدو الأكبر، وإن الذي يستخدم أدوات الحق لتثبيت الباطل، آثمٌ، كمن يقتل مريضًا بأداة من حقها علاجه.

دائمًا ما كان الحق غير واضح، لا يهتدي إليه إلا أصحاب النفوس الدوارة، التي تقفو أثر كل كلمة تؤدي إليه، بعيد لا يصل إليه إلا من أثقله جهدًا ومشقة، تعدل لذة الوصول إليه، ودائمًا ما كان الباطل سهلًا، في طرفة عينٍ تصل إليه، واضح، كل الطُرُق ممهدة تؤدي إليه، وما أكثر ما خُلط الحق بالباطل في هذه الأيام! فليس من الغريب في شيء – ونحن بشريون، ضعيفون بالضرورة- أن نجد كل داعٍ إلى الباطل مرحبًا به، في رغدٍ من أمره، يلتف حوله الكثيرون، وأن كل صاحب دعوة حقٍ، في ضيق من أمره، وحيدًا يقف، كمن أثقلته حرارة الصيف، في صحراء لا نفر فيها ولا زرع، ولكن رغم ذلك كله، فإنه لا قيامة للباطل إلا في غفلة الحق، وصدق الغزالي إذ قال: "إن هزائمنا تأتي من داخلنا، نحن الذين نصنعها لا غير".

إعلان
إنّ الحقَ المُر هو أن نعيش مزيج كل يوم، تختلط الأمور، وتمزج الأوراق، هذا المزيج العصي، الذي طالما تاهت فيها عقول، وغيبت أفهام، حتى تلبست بما هو باطنه الباطل وظاهره الحق

من هذا المنطلق، أليس من شأن يخلط الأوراق، ويضيق الخناق ويفعل ذلك أن يكون جزء من بنائه هدمًا؟ والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: "كيف تهدم أمةً وتقول أنك تحييها؟" الأمر بسيط جدًا اثبت على موقف واحد، ورؤية واحدة لأكثر من عشرة أعوام، وتغافل عن دعوة لإصلاح الأفكار، أو تقويمها، واحذف كلمة "مشكلة" من قاموسك اللغوي، واقتنع تمامًا، أنك تفعل الصواب، تذكر الصواب لا غير، انفرد بوجهة نظرك، لا تترك مساحة للنقد او الاختلاف، انتقص ممن ينقدك بأي وسيلة، استمر في هذا كله حتى يأخذك جنون العظمة، وتتحول إلى ديكتاتور صغير، وعِش الوهم الكبير، ولا تلقِ بالًا لما يقوله الغزالي: "الحقيقة المُرة أفضل ألف مرة، من الوهم المريح".

إن من هذه الأمة الإسلامية من ينبهه الله، لفهم الحق، وإذاعته، لا لشيء إلا لأن خلود هذا الدين واستمراره أمر مقضي، غير مرهونٍ بشخص أو جماعة، مهما توالت الأيام، وتعاقبت السنون، وإن هذا ليشكل مفتاحًا أخيرًا هامًا، تعمل به الدائرة عندما يغطي السواد كل شيء، وتجري أقدام الباطل في مقدمة الأمور، فينبه الناس، ويوقظهم من غفلتهم، التي كانوا فيها، إن صعب عليهم كشف الحقيقة والاهتداء إليها، يقول الغزالي -رحمه الله: "الجهل بالحقيقة له دخلٌ كبيرٌ في ضياعها، وأكثر الناس يترك الخطأ يسير، لأنّه لا يعرف الصواب".

هل يتفرق أصحاب الحق الواحد؟

يقول نجيب محفوظ: "ربما اختلف اثنان، وكلاهما على صوابٍ"، فمن ناحية وجهات النظر، والأمور التي يحتار فيها العقل ويختلف فيها السابقون والحاضرون جميعًا، نختلف نعم ونتفرق، ولا تجمعنا رؤية ربما، وقد يكون كل منا على صواب، ولكن في الأمور الواضحة، التي هي إما حقٌ وإما باطل، لا يمكن أن نختلف إلا إذا كان أحدنا على حقٍ والآخر على باطل، يقول الغزالي -بصرنا الله بعلمه: "ما أحسب المتفرقين على حقهم أصحاب حقٍ، فطبيعة الحق أن يجمع أهله، وإن أعدادًا كثيرة، من السائرين تحت لواء الحق، يكمن في باطنهم أباطيل كثيرة، فهم يحتشدون بأجسادهم فقط تحت راية الحق، ويبدو أنّ المآرب الكثيرة، والأغراض المختلفة، تجعل لكل منهم وجهة نظرٍ هو موليها". فالقول واضح، والبيان معلن، ولعلهم يفقهون.

عندما كنت في مويك -نموذج محاكاة منظمة التعاون الإسلامي- وأردت أن أفصّل للنقد، حتى نقوّم قاعدة الأفكار التي يقوم عليها النموذج، ونأصل مساحة للاختلاف والنقد، وتبادل وجهات النظر، أخذ الذين خُلطت أوراق الحق بالباطل أمامهم يقولون أنّ هذا تشويه، وظلم، رغم أني قد ذكرت الحسن قبل القبيح، ونشرت النجاح لا الفشل، وحافظت جاهدًا على نظام النقد المُجرد من أي عاطفة أو بال، لكن إن امتزج الحق بالباطل، فإلى كل غير حسن سيؤول الحال، لماذا لا يفرد كل واحد وجهة نظره ويطلعنا عليها؟

إنّ الحقَ المُر أن نعيش هذا المزيج كل يوم، أن تختلط الأمور، وتمزج الأوراق هذا المزيج العصي، الذي طالما تاهت فيها عقول، وغيبت أفهام، حتى تلبست بما هو باطنه الباطل وظاهره الحق، فإن خرج من يفرق الحق عن الباطل، ويقول يا قومي اسمعوا، لعلي أصيب، أو لعلكم تهتدون، قامت عليه الدنيا ولم تقعد؛ إذ الحق دائمًا مرٌ على الذين ذاقوا الباطل، لا نعمة سريعة ظاهرة فيه، ولا منفعة؛ إذ يحمل على أنفسهم ما يجلدها، ويضنيها، فاللهم بصرنا الحق، ولا تجعلنا من الذين زُين لهم الباطل، اللهم نجاة.

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

كيف كانت تجربتكم معنا؟

إعلان