عاشقُ ابن حزم.. طاردُ الهمِّ!

BLOGS ابن حزم

ليتك تعرفُ عِشقي لك بداخلي أيها العزيز ليس له حدود! ألستَ من فصّلت فيه سَلِمت يداك خير البنود! كيف لا أذوب في حبّك وقد تعلمتُ منك كيف تُسقى الورود! ألبستني طوق الحمامة فسِرت مع السّرب محظوظ! زُرتك أبحث عن آثار أقدامك فلم أجد سوى أنها محفورة في قلبي تنير لي كل الدّروب!

لا أعرف حقيقة لِما بدأت هذه المقالة بلُغةٍ أدبيةٍ لا أتقنها ولست أهلا لها، لربّما هي الوحيدة التي بإمكانها أن تُعبر عن عشقي للرجل الذي أحببته، أليست لغة الأدب هي من ترسم لك ما في أعماق قلب ووجدان الإنسان وتعجز أن تقارب لك ما يصول في عقله وفكره؟… ومع كون هذا الطرح يصدُق على كثير من النماذج الأدبية فلا ريب وجود كثير من الاستثناءات، لا أدلّ على ذلك من واقع الأدب عندنا، ممن أبدعوا بشعرهم في ملامسة قضايا مهمة، من قبيل "محمد إقبال" المبدع بشعره في مقاربة القضايا الفكرية والحضارية، ولا من واقع الأدب عند غيرنا مثل الفرنسي "فولتير" في مقاربة القضايا الاجتماعية والسياسية، والألماني "فريدريك نيتشه" بشذراته في ملامسة القضايا الأخلاقية والوجودية…؛ رغم ذلك قلة حيلتي في الأدب لا أبالي إن غامرت بأخطائي مغامرة العاشق الولهان.

بهذه اللغة بدأتُ، لِشديد إعجابي بذلك الإنسان الذي كُنت باحثا في أيام مضت في رسائله عن مواقفه وآرائه فيما يتعلق بعلوم الأوائل، تلك العلوم اليونانية العتيقة من فلسفة ومنطق وطب وفلك وكيمياء وخمياء… ؛ إنّ لغة العلوم التي قرأت بها ابن حزم في كتاباته العلمية لم تكن جافة مُنفرة ولم تكن مُكلِّفة ولا مُثقلة، إنما كانت لغة حيَّة يحيى من داخلها إنسان اسمه ابن حزم قبل أن يكون فيلسوفا عملاقا ومُلمّا بعلوم الأوائل. أما عن رسائله خارج مناقبه العلمية كطوق الحمامة ومداواة النفوس والمحلى وغيرها، فأقل ما يقال عنه، ما قاله "صاعد" في طبقات الأمم: أجمعُ أهل الأندلس قاطبة لعلوم الإسلام وأوسعُهم مع توسعه في علم اللسان والبلاغة والشعر والسير والأخبار.

طردُ الهمّ من النّفس رسالةٌ حمَلها على عاتقه بعد ما رأى أن الناس جميعا استووا في طلبهم ذلك، فهم لا يتحرّكون حركة ولا ينطقون بكلمة إلا لإزاحة الهمّ عن نفوسهم

ذلكم الفقيه الظاهري القرطبي الأندلسي صاحب الحكمة والمعرفة والدراية، مَن وقف دائما كالأسد بين اتهامات المشككين وخذلان الشامتين، من تتعارك حوله اليوم الإثنيات لينتسب إليها انتسابا، لِسانُه سليط مثل سيف الحجاج، وذوقه رفيعٌ عذبٌ ليس فيه أُجاج، ألم يخبرنا عن الأشقر لون شَعر من عشقه ثم فقده ورحل ؟ ألم يكن خصما للفقهاء المتشددين من أحرقوا دفاتره وألبسوه كل التّهم؟ ألم يكن ندّا للفلاسفة المجانين من سبّوا الدّين وغّرهم حسن الكلام؟ ألم يزهد في الرئاسة وهو أهل لها وانكبّ على الدراسة فصار رائدها؟ أرني كيف إذن تذهب عني الهمّ وتريحني من الغمّ؟ يا طارد الغمّ!

ستعشق ابن حزم لأنه الرجل الذي أفنى عمره وأتعب نفسه وأطال فكره ليُهديك عُصارة حياته كهديّة لا تقارن بكنوز المال ولا عروش السلطان، فليس طموحه الصّيت والسّمعة وإنما كان كل همّه وراء ذلك مداواة نفوسنا المريضة التي تلهث وراء كل لذّة ومتعة وتعشق كل لحظة، وما يعقُب ذلك حزن عميق وألم شديد، إمّا بذهاب ما نُريد أو ذهابنا عنه.

طردُ الهمّ من النّفس رسالةٌ حمَلها على عاتقه بعد ما رأى أن الناس جميعا استووا في طلبهم ذلك، فهم لا يتحرّكون حركة ولا ينطقون بكلمة إلا لإزاحة الهمّ على نفوسهم، فليس في العالم منذ كان إلى أن يَتَناهى أحدٌ يستحسن الهمَّ ولا يُريد طرده عن نفسه. ومن منا لا تشغله كثرة الهموم التي تثقل أركانه وتسلب راحته وتضعف أمله، مَن ذا الذي لا يُحسّ بالغمّ في زمن عجَّ فيه الجشع والخوف والخيانة؛ زمن لا ترى فيه ابتسامة بريئة إلاّ لماما، وحتى تلك البريئة قد تواري في الأعماق سيل من المعاناة والانكسارات يسري دواخلنا دون انقطاع؛ وقد تكون تلك الابتسامة نفسها، سببا في تعاسة الاخر وإيذائه، لأنهم صدَّقونا وغدرنا بهم، وثقوا فينا وخُننا ثقتهم. كيف لا تحسّ بالهمّ وأنت عاجز على أن تفصح بكلمة عمّا تريد، فتحترق الكلمات بداخلك ويختنق القلب برماد حُروفها، أليس هذا همّ وألم؟

لن أقول عنك يا عزيزي أنك المتشائم "شوبنهاور" من حَكم علينا بالشقاوة والتعاسة مدى حياتنا مادامت طبيعتنا وميولاتنا متعلقة بإشباع لذّات لا تنتهي ورغبات لا تتوقف، حتى وإن مَلكتنا لحظة سعادة سُرعان ما تنطفئ على وقع الألم والحسرة. ولستَ أنتَ من حكمتَ على "سيزيف" بالعذاب الأبديّ ليَحمل على كتفه تلك الصخرة من سفح الجبل ويصعد بها إلى القمة وما يكاد يصل حتى تسقط مرة أخرى ثم يضطر إلى دفعها ثانية إلى الأعلى، وهكذا حتى قُدِر عليه الشقاء إلى الأبد؛ أنت لستَ أحدا من هؤلاء ولن تكون مثل "سينكا"…،لأن كل هؤلاء المتشائمين لم يمنحوننا عُصارة حياتهم، وإن أهدونا عُصارة أفكارهم، فكم هو حريّ بنا أن ننتفع من تجارب الحياة بدلا من توقّعات الأفكار والتصورات، هي وحدها من تُؤمّن لنا المخرج وتمدّنا بسواعد النجاة ؛ فإن كان "سينكا" ينصحنا أن نبتلع ضفدعا كل صباح لكي نضمن أن لن نواجه ما هو أ كثر قرفا في ما سيقدم عليه من يوم، فلا أظن أنه ابتلعَ واحدة في حياته، أمّا أنت فقد ابتلعتَ من الحياة مُرّها وحُلوها، ابتلعتَ الرفاهة داخل القصر، والمعاناة في المنفى ومن داخل السجن، والجنديّة في ساحة المعركة، والمعرفة في حلقات العلم، والإيمان في مجالس الذكر.. فكيف لا تقدر على مداواة نفوسنا وذهاب همّنا؟

كلّ فعلٍ وثقت أجره بالآخرة يَهون تعبُه ويحلو طعمَه، وكل فعل من أجل الله تُسَرُّ به النّفسُ وإن تمحّنت، فلا تنتظر إعجابا من أحد إن نجحت، ولا تعزية من غيرها ان تعثّرت
كلّ فعلٍ وثقت أجره بالآخرة يَهون تعبُه ويحلو طعمَه، وكل فعل من أجل الله تُسَرُّ به النّفسُ وإن تمحّنت، فلا تنتظر إعجابا من أحد إن نجحت، ولا تعزية من غيرها ان تعثّرت
 

كشفتَ في "مداواة النفوس" عن أحوال الناس فألفَيت أن همومهم تختلف وتتلون، فتبحث كل نفسٍ عن دفع ما يضرّها، فأما من كان همّه الفقر طلب المال، ومن كان هّمه المتعة طلب اللذة، ومن كان همّه الجهل طلب العلم، ومن كان همّه الوحدة طلب محادثة الناس، ومن كان همّه الاستعلاء طلب الصّيت.. لكن هيهات، هل ستهدئ النفوس وتطمئن وستحس بالسعادة وتستقر؟ حتما أنت تُنكر ذلك، لأن هموما حادثة لابدَ أن تظهر، وعوارض لابدّ أن تحضر، ونتائج سوء لابد أن تحصل.

 

كم أنت قريب إذن من فيلسوف الحداثة "كانط" يا عزيزي، من بحث في معنى السعادة فوَجد من الصّعب تحديدها مادام كل منّا يراها فيما يُعوّض ما يَعوزُه ويَفتقدُه، فمن يراها في المال أو الصحة أو الغريزة.. هكذا أحوال الناس متغيّرة كذلك تَمثّلاتهم لها مختلفة، فليست إذن مفهوما عقليا حتى تُحدد بل تبقى مجرّد مَثل أعلى للخيال. لستَ بِبعيد عن طرح "كانط" المهووس بالتّعريف والتجريد، لكنّك كُلّفت تنويرنا سبل تحصيلها لا تحديد معناها، لأنّك ذقت طعمها وارتشفت رحيقها، فعبّدت لنا الطريق كي نهتدي إليها.

 

طريقٌ واحد لا أكثر يوصلنا الى طرد الهمّ وإمتاعنا بالسعادة، إنه "العمل من أجل الآخرة"، هكذا كتبت في "مداواة النفوس"، فكلّ فعلٍ وثقت أجره بالآخرة يَهون تعبُه ويحلو طعمَه، وكل فعل من أجل الله تُسَرُّ به النّفسُ وإن تمحّنت، فلا تنتظر إعجابا من أحد إن نجحت، ولا تعزية من غيرها إن تعثّرت، فهي لا تُعطي من أجل أن تأخذ، وإنّما تنتظر فقط هبة المُعطي وأجر المنّان. لا تتعب نفسك مع من سيستخف بهذا الكلام ويستهتر! لست مرغما أن تَشرح لِفاقد حاسّة الذوق طُعم تفاحة، إنه لن يفهمك أبدا! فلست الوحيد يا ابن حزم من ذاق طُعمها هذا، كذلك استغرب "ابن تيمية" حماقات قومه وتعجب "ماذا يفعل أعدائي بي، إن جنّتي وبستاني في صدري، إن قتلي شهادة وسجني خلوة ونفيي سياحة"، فسلامي عليك ورحمة الله!