أيُّ الطرق اتجاهُها للأسفل؟

blogs الاتجاهات البوصلة

يسألْ Michael Stevens صاحب القناة العلميّة الشهيرة Vsause سُؤاله المعقّد ويشرح عنه بعدها في مقطع غاية في الجمال ومليء بنسف لبعضِ المسلّمات العلميّة التي تعلمناها! وسؤاله هذا ?Which way is down أو كما ترجمته أنا، ووضعته عنواناً لمقالي أيُّ الطُرق اتجاهُها للأسفل؟ مقالي هنا هو مقال علمي بحت، سأوضّح فيه بما آتانيَ الله من فهمٍ فيه! وسأحاول قدرَ الإمكان أنْ أوضّح موضع الخلاف أيضاً، ومما لا شكَّ فيه أنَّ المسألة قد احتلّت حيّزاً كبيراً في عقلي في الآونة الأخيرة ولهذا قررتُ الكتابةَ عنها وبيانَ ما فيها.

 

جميعنا نعرفُ قانون نيوتن للجاذبيّة بين الأجسام، وينصُّ هذا القانون على أنَّ قوتا التجاذب بين جسمين ماديين، تتناسب طرديّاً مع حاصل ضرب كتلتيهما وعكسيّاً مع مربّع المسافة بين مركزيهما، ويُكتب بالصيغة الرياضيّة التالية: F= G (m1 X m2/r2)، إذْ أنَّ F هي القوّة الناتجة عن الجاذبيّة، و G هو ثابت التجاذب العامّ بين الكتل، m1 هي كتلة الجسم الأوّل، و m2 كتلة الجسم الثاني، وأخيراً r ألا وهي المسافة بين مركزي الجسم! وقدْ أرفقتُ هنا صورة توصيحيّة لهذا القانون لفهمه بشكل أفضل وتصوّره على أكمل وجه.

undefined

والآن لنوضّح القانون أكثر، نقول: إنْ قُمنا بزيادة كتلة أحد الأجسام، أو إذا قُمنا بتقريب المسافة بين مركزيهما ستزيد قوّة التجاذب بينهما، وهذا ما يُسمّى بالوزن، فعلى سبيل المثال، إنْ رمينا قلماً منِ ارتفاع ثلاثةِ أمتار، فبكلِّ بساطة القلم لا يقع على الأرض! وبمعنى أصحّ، القلم والأرض يتجاذبان سويةً! فالأرض تجذب القلم لها، والقلم يجذبُ الأرض له.

 

هناك الكثير من التجارب وقدْ وضّحها Michael Stevens في مقطعه، وهذه التجارب أثبتت أنَّ لا وجود للجاذبيّة بالمعنى الذي فهمناه! وإنّما هو الزمكان أو ال Space-time وانحناء هذا الزمكان ونحن في داخله، وفي هذا يقول الفيزيائي الأمريكي الذي أحيا الاهتمام في النسبيّة العامّة John Wheeler، Space-time grips mass telling it how to move, and the mass grips space-time telling it how to curve! وهذا يعني أنَّ الزمكان يقبض على الكتلة ويقول لها كيفَ تتحرّك! وبالمقابل تقبضُ الكتلة على الزمكان وتقول له كيفَ ينحني!

 

قوانين نيوتن ستجد قصوراً واضحاً وتخبطاً إنْ أرادت الولوج إلى أعماق الكون وإلى أعماق الزمكان، لأنّها لم تربط الزمن والمكان كما فعلَ آينشتين! ولم تأخذ بعين الاعتبار أنَّ الزمن هو بُعد رابع رغماً عنّا!
إعلان

لغاية الآن نبقى في ضبابيّة بعضَ الشيء! ولا أظنُّ أنَّ الصورة اتضحت كما يجب! ولكشفِ الغمّة عن التعقيد الحاصل، ومستعيناً بلا شكّ بمقطع Stevens، نحنُ بشكل عامّ نتحرّك بشكل بطيء نسبةً إلى الأرض، لذلك وقياساً على هذه العلاقة النسبيّة، نحنُ نتأثّر في حركتنا هذه بانحناء الزمن بواسطة الكتلة، أكثر من تأثّر هذه الحركة بواسطة المكان! وقدْ نتجَ عنْ هذا التصوّر للحركة وارتباطها بالزمكان تفسيرات مفادها إلغاء الجاذبيّة، أو بعبارةٍ أخرى، يقول الكثير من العلماء أنَّ تعريفنا للسقوط بفعل الجاذبيّة هو للتبسيط لا أكثر! ولكنَّ المسألة أعقد من هذا بكثير، وهي في حقيقة الأمر بفعل الزمن، فهذا الذي نسمّيهِ سقوطاً! ما هو إلّا بفعل الزمن الذي يجري في دماغك بشكل أسرع نسبةً لأرجلك وجسمك بشكل عامّ.

 

نُكملُ حديثنا فيما يخصّ الجاذبيّة وطريق السقوط للأسفل، فهذا الاتجاه للأسفل هو نسبي! ودائماً ما يتغيّر، وهو على هذا الشكل بسببِ ذهابه -إنْ صحَّ القول- نحو الجزئيّة من الزمن والتي تكون الأبطأ بالمطلق، ويقول Bertrand Russell: Everything is naturally steered towards where time is slowest!، وهذا يُفسّر ما طرحته في الفقرة السابقة، فمعناه أنَّ كلَّ شيء موجّه نحو كل نقطة يكون فيها الزمن بطيء، وقدْ أطلق عليه Russell اسم الكسل الكوني! أو The law of cosmic laziness!

 

منَ المُحتمل أنْ يبدو للقارئ أنَّ هذا هذيان، ولا أساس له من الصحّة! ولكنْ، وبعدَ اطلاعي البسيط على المسألة، وتقليبها من أكثر من جانب، تبيّن لي أنَّ الزمن هو كلّ شيء! ولطالما كان هو الرقم الصعب في حياة علماء فيزياء الكمّ! ومما سمعته عن الزمن وعن تعقيده كانَ على لسان الدكتور Brand في فيلم Interstellar فقدْ قال في أحدِ مشاهده: "أنا فيزيائي طاعن في السنّ! أنا لا أخافُ من الموت، بلْ خوفي من الزمن!" وهذه حقيقة مُرّة لكل منْ يتعمّق ويدخل أعماق فيزياء الكمّ، وتحديداً النسبيّة العامّة لآينشتين.

 

سأرفق صورةً أخرى لتوضيح انحناء الزمكان وتأثيره على الجاذبيّة وعلى سُقوط الأجسام المزعوم.

undefined

وهذا من أجلِ ترسيخ الفكرة أكثر فأكثر في ذهن القارئ! فكما أسلفتُ في المقال مُحلّلاً الجاذبيّة على أنّها مرفوضة كقوّة، فقدْ كُتب على الصورة هنا: أنَّ الجاذبيّة ليست بقوّة! بلْ هي انحناء الزمكان! فعندما تُحاول الأجسام أنْ تسير في خطٍّ مستقيم، فهذا يكونُ مصحوباً بانحناء المكان والذي بدوره يصوّر لنا مسار هذه الأجسام منحنيّاً أيضاً!

 

وفي الختام، وكي لا أُطيل الشرح في مسألة معقّدة كهذه! أهمّ ما يجبُ معرفته أنَّ قوانين نيوتن للحركة ليست كونيّة! ولكي لا ندخل في دائرةِ الظلم للرجل، ونقول أنّها خطأ! هي ليست قوانين مغلوطة بالمُطلق! لأنَّ الهندسة مبنيّة على نيوتن بشكلٍ أو بآخر، وأقول هذا بحكمِ دراستي للهندسة! ولكنكْ قوانين نيوتن ليست شاملة للكون ولما يَحدث فيه من عجائب، وكما قال بيجوفتيش: "الكون ليس مفصّلاً على طراز نيوتن، فآينشتين أتى ونسف ما قاله" لهذا نستطيع القول أنَّ قوانين نيوتن ستجد قصوراً واضحاً وتخبطاً إنْ أرادت الولوج إلى أعماق الكون وإلى أعماق الزمكان، لأنّها لم تربط الزمن والمكان كما فعلَ آينشتين! ولم تأخذ بعين الاعتبار أنَّ الزمن هو بُعد رابع رغماً عنّا! وسنبقى في هذا التخبّط في تعريف الزمن وتأثيره لأننا جزءٌ منه! وكما قال العالم الشهير ماكس بلانك: "المُشكلة هي أنّنا نحاول فكّ لغز الكون! ولكن لم ننتبه أنّنا أحد أجزاء هذا اللغز العجيب!".. فلا تعجبْ أيّها القارئ واطمئنّ. Because you don’t have to keep anything on the down-low. Time will take care of that for you!

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

كيف كانت تجربتكم معنا؟

إعلان