شعار قسم مدونات

بين وكلاء أميركا وإيران.. الوجه الخفي لاضطرابات العراق

BLOGS مظاهرات العراق

تراكمت الأزمات والمأزق واحد، لا تغيير في معظم الوجوه والأحزاب الحاكمة منذ ١٥ عاما، سوى تدوير يحصل كل ٤ سنوات شبّهه البعض بإعادة تدوير المواد البلاستيكية وآخرون عدُّوه مشابهاً لما يوجد في المكبات، وعلى كل حال ما زال أعضاء حزب واحد يهيمنون على منصب رئيس الحكومة لاسيما بعد انشطارهم إلى نصفين: واحد يرتدي الجينز وآخر العمامة، مطبقين بذلك المثل القائل: وجهان لعملة واحدة.

 

لكن وفِي خضم زحام الأزمات في العراق تبرز في الوقت الحالي أزمتان، الأولى أزمة دستورية وسياسية ضربت بالقوانين والأعراف عرض الحائط وأدخلت البلاد بمشكلة لا حل لها سوى بتوافق أمريكي – إيراني، وثانية جمعت ما بين الأمنية والخدمية والاجتماعية والشعبية، فمنذ أشهر بدأت البصرة بتظاهرات شعبية للمطالبة بالخدمات وامتدت تلك التظاهرات إلى مدن الجنوب والفرات الأوسط حتى وصلت إلى بغداد، لكن الحكومة لم تجد حلا لذلك سوى أنها قررت استخدام القوة وبذخ الوعود بحل كل معضلة وإنهاء المأساة، وصاحب ذلك سقوط عدد من المتظاهرين بين قتيل وجريح.

 

الفصل الثاني من الاحتجاجات بدأ في البصرة كسابقه، وهذه المرة بشكل مختلف حيث تسمم آلاف المواطنين نتيجة تلوث مياه الشرب التي تبين أنها غير صالحة للاستهلاك البشري منذ سنوات "والحكومة ساكتة" عن ذلك والسبب بحسب المختصين أن لا أحد من الجانب الحكومي يجرؤ على مفاتحة الجانب الإيراني بوقف ضخ مياه البزل المالحة في شط العرب، ومطالبة طهران بإطلاق دفعات المياه الصالحة بما يتناسب وحصة العراق المائية، ما تسبب بارتفاع نسبة الملوحة في مياه البصرة وموت معظم الثروة السمكية وتحويلها إلى مياه ملوثة، تزامن ذلك مع عدم وجود محطات لتنقية مياه الشرب لتتفاقم الأزمة بشكل دفع بالأهلي للخروج إلى الشارع للمطالبة بما لم يتخيلوا أنهم سيفتقدونه في يوم ما لا سيما أن بلادهم تسمى "بلاد ما بين النهرين" وكل ذلك بفضل عدم وجود إدارة سياسية قادرة على إدارة الأزمات.

 

استمرار التعامل بهذا الشكل مع المتظاهرين في البصرة سيفجر صراعا مسلحا عواقبه وخيمة ليس على المتظاهرين وقوات الأمن فحسب بل سينتقل إلى العشائر التي من الأصل لا تسيطر عليها الحكومة

مواجهة العطشى في البصرة بالرصاص سبقتها مواجهة المطالبين بالحقوق والحريات في الحويجة وديالى بالمنطق نفسه، والمفارقة أنها حصلت من الضابط نفسه! إذ تبين أن المتهم الأول بقتل المتظاهرين في البصرة وقائد عملياتها الفريق الركن جميل الشمري ذاته من أشرفَ على إبادة المتظاهرين في ساحة اعتصام الحويجة وجرائم أخرى بحق المتظاهرين في ديالى كحادثة جامع مصعب بن عُمير، يعد الشمري مقرباً من زعيم حزب الدعوة نوري المالكي وشقيقه قياديٌ في الحزب، وتعد قوات "سوات" يده الضاربة أينما ارتحل، ما يعني أن تنصيب الشمري قائدا لعمليات البصرة جاء بسبب معرفة الحزب الحاكم بخطورة الوضع هناك والنية المبيتة لضرب وقمع كل من يتظاهر للمطالبة بحقه أو مهاجمة سياسة وإدارة حزب الدعوة الذي يحكم العراق منذ حكومة الجعفري وتبعها بولايتين للمالكي ثم تلاه العبادي وستكون حكومة أخرى للحزب سواء شكل تحالف المالكي الحكومة أو نجح العبادي بكسب صراع الكتلة الكبرى.

 

استمرار التعامل بهذا الشكل مع المتظاهرين في البصرة سيفجر صراعا مسلحا عواقبه وخيمة ليس على المتظاهرين وقوات الأمن فحسب بل سينتقل إلى العشائر التي من الأصل لا تسيطر عليها الحكومة ونشبت مئات الصراعات المسلحة بينها في السنوات الأخيرة، إضافة إلى تهديد ١١ فصيلا شيعيا مسلحا للعبادي وتحالفه مع الصدر وعلاوي والحكيم بعد أن اصطفوا إلى جانب تحالف الحشد الشعبي مع المالكي لتشكيل الحكومة المقبلة وتعد هذه الفصائل مقربة من إيران واتهمت التحالف المنافس بالعمالة لأمريكا كما هددت في الوقت ذاته القوات الأمريكية ببيان رسمي صادر عنها.

 

هذا البيان استبقه العبادي بإقالة رئيس هيئة الحشد فالح الفياض بعد انشقاقه عن تحالفه وذهابه للتحالف الآخر تلاه تنصيب العبادي نفسه رئيسا لهيئة الحشد، متحديا بذلك هادي العامري وقيس الخزعلي زعماء أبرز فصائل الحشد واللذين سبق لهما التحالف مع المالكي، هذه الصراعات بين العبادي وقيادات في الحشد سبقَها خلاف حاد بين العبادي وأبرز زعماء الحشد ويعد قائده الميداني ومنسق أعماله مع إيران وهو أبو مهدي المهندس بعد سحب الأخير لقطعات من الحشد في نينوى وصلاح الدين تلاها كتاب من العبادي يرفض تلك التحركات ليتضح بعد ذلك أن العبادي قرر دمج قيادة الحشد في تلك المناطق بقيادة العمليات التابعة للجيش العراقي، وهذا ما لم يعجب المهندس فقرر سحبها.

 

هذا الصراع ليس الوحيد بين الحشد ورؤوس أخرى في العراق، حيث أخرجت روائح البارود المنبعثة من أكداس العتاد المتفجرة هنا وهناك، أخرجت تلك الروائح معها أسراراً خفية عن صراع كبير بين فصائل شيعية مسلحة داخل العراق مختلفة الولاء والارتباط، فبعد أن انتشرت ظاهرة انفجار أكداس العتاد بسبب ارتفاع درجات الحرارة! كما أشيع طبعا، خرجت فرقة العباس القتالية التابعة للعتبة الحسينية عن صمتها وقالت إن من تسبب بتفجير أكداس عتاد تابعة لها في كربلاء طائرات مسيرة "معادية" وتلا ذلك بيانات وتصاريح صحفية تؤكد أن حربا ضروسا مشتعلة بين تلك الفصائل حاول العبادي تهدئتها بزيارات لمقر رئاسة هيئة الحشد قبل أن يصبح هو الآخر طرفا في الصراع.

 

العراق وسط نفق مظلم لن تخرجه منه سوى حكومة شراكة مرفوضة من الشعب ومقبولة من الأوساط السياسية المتصارعة التي لا يريد أي طرف منها الخروج خاسرا من هذا الصراع
العراق وسط نفق مظلم لن تخرجه منه سوى حكومة شراكة مرفوضة من الشعب ومقبولة من الأوساط السياسية المتصارعة التي لا يريد أي طرف منها الخروج خاسرا من هذا الصراع
 

في ظل التناحر على تشكيل الحكومة وإعلان ١١ فصيلا في الحشد "الحرب" على من يشكل حكومة بدعم أمريكي، وأخطر ما في ذلك أن البصرة عبارة عن مشجب كبير للسلاح والرجال وينتمي كثير من شبانها لفصائل مسلحة توفر لهم مرتبات في ظل تفشي البطالة وعدم توافر فرص العمل، فضلاً عن وجود عشائر مسلحة ستنتفض لمقتل أي شخص من أبنائها، ولَك أن تتصور حجم وخطورة الصراع وتداعياته على مختلف الأصعدة، ففي ظل المعطيات المتوافرة قد تُحوَّل البصرة إلى ساحة صراع بين الأحزاب والفصائل المسلحة لا سيما إذا أقصي من يلوّح بالسلاح من تشكيل الحكومة المقبلة.

 

التوافق بين واشنطن وطهران على تشكيل الحكومات السابقة بعد عام 2003 غاب هذه المرة بعد أن أعلن ترمب الحرب الاقتصادية على النظام الإيراني، ويبدو أن مبعوثه ماكغورك لتشكيل الحكومة العراقية لم يستطع التغلب على سليماني مبعوث خامنئي للغرض نفسه حتى الآن، كما لا يبدو أن احتواء الأزمة من أولويات البلدين على الأقل فيما يخص أزمة تشكيل الحكومة ما يعني أن العراق وسط نفق مظلم لن تخرجه منه سوى حكومة شراكة مرفوضة من الشعب ومقبولة من الأوساط السياسية المتصارعة التي لا يريد أي طرف منها الخروج خاسرا من هذا الصراع.

 

ما يعني أننا أمام مشهدين: الأول تشكيل حكومة يقصي من خلالها أحد اللاعبين "الأمريكي أو الإيراني" للآخر ويتفرد بالملف العراقي، والآخر عودة التوافق بين الطرفين وتشكيل حكومة متصارعة فيما بينها كالحكومات السابقة وغير قادرة على إنهاء الأزمات أو توفير الخدمات، وفي كل الأحوال سيبقى الجسد العراقي يئن وستبقى الأحزاب والفصائل والجماعات تصفي حساباتها في الشارع بعيداً عن بروتوكولات السياسة غير الموجودة أصلاً.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.