قصة الموّال التركي "سوزان سوزي"

التراث العثماني والتركي تراث ذاخر وملئ بالكنوز المتنوعة، هذه الكنوز متوزعة على العادات والتقاليد في الطعام والشراب، والميلاد والوفاة والزواج والطلاق وغيرها من أمور الحياة، ولأن تركيا الدولة الآن هي نهاية لإمبراطورية شاسعة واسعة استمرت لما يقرب من 600 سنة، وبالتحديد منذ حوالي 27 يوليو سنة 1299م حتى 29 أكتوبر سنة 1923م، واتسعت جغرافيا فكان تحت سيطرتها كامل آسيا الصغرى وأجزاء كبيرة من جنوب شرق أوروبا، وغربي آسيا، وشمالي أفريقيا، وكان تحت هذه المظلة الكثير من الأعراق والأديان والملل والنحل المتوافقة أحيانًا والمتنافرة أحيانًا أخرى.

وبعد سقوط هذه الدولة العثمانية العَليّة وتأسيس الدولة التركية على يد مصطفى كمال أتاتورك، ظل هذا الخليط من الأعراق والأجناس والأديان في تركيا الحديثة بقدرٍ ما، بالطبع ليس الوضع كما كان تحت ظلال الدولة العثمانية لكنه تأثر بذلك تأثرًا كبيرًا، فتركيا الآن ليس بها الأتراك فقط -وإن شكّلوا الغالبية العظمي منها-، بل فيها أعراق كثيرة متنوعة كالأكراد والشركس واللاظ والظاظا والعرب الأتراك والآتين من البلقان وغيرهم، وكل عرقٍ من هذه الأعراق محتفظٌ بعاداته وتقاليده الخاصة التي تميزه عن العرق الآخر.

تعتبر المووايل التركية أو ما تسمى باللغة التركية توركو Türkü أحد أهم عناصر الفولكلور الشعبي التركي، وتتنوع هذه المووايل من مكان لمكان، ومن مناسبة لمناسبة، فبعض المواويل متصلة بالعشق والهوى وبعض المووايل متصلة بأحداث وانتصارات حربية، كالموال المشهور المرتبط بواقعة جنق قلعة Çanakkale تلك المعركة التي تمثل مجد تركيا الحديث، وبعض المواويل للأطفال الصغيرة لتنويمهم وهكذا، والطريف في هذه المواويل أن كثيرا منها يتوزّع جغرافيا على المناطق التركية، فهناك موّال منطقة البحر الأسود وموال مدينة أورفا وموال مدينة قسطمنو وموال مدينة أضنة وهكذا.

كانت إحدى المواويل التي لفت انتباهي وشدّت آذاني، موالٌ ينتمي إلى المدينة الكبيرة والعريقة التي اسمها ديار بَكِر، ومدينة ديار بَكِر تعدُّ إحدى المدن المركزية والمهمة في تركيا الحديثة

ومن جميل ما تصنعه الحكومة التركية أنها تغذي ذلك الحس الشعبي لدى كل منطقة، وتحاول إحياء التراث الشعبي الخاص بها سواء أكان ذلك متمثلا في مواويل أو لباس أو طعام وشراب أو غيره، وتقيم بذلك مهرجانات متنقلة في البلاد داخليا وخارجيا، للتعرّف على هذه الثقافات والتبادل بينها وبين بعضها، أما نحن العرب فلا نعرف كثيرًا عن الثقافة التركية ولا عن الأتراك، رغم أن التاريخ والثقافة مشتركة ومتداخلة، وقد عشنا سويا قرونًا وقرونًا، إلا أن أكثر العرب لا يعرف شيئا عن تلك الثقافة التركية، وكان لهذا عدة أسباب، منها عائق اللغة التركية ومنها عوامل سياسية أصبحت مؤخرًا أكبر هذه العوائق، كما توجد عوامل أخرى كثيرة.

كانت إحدى المواويل التي لفت انتباهي وشدّت آذاني، موالٌ ينتمي إلى المدينة الكبيرة والعريقة التي اسمها ديار بَكِر، ومدينة ديار بَكِر تعدُّ إحدى المدن المركزية والمهمة في تركيا الحديثة، فهي تضم أكبر عدد من الأكراد الأتراك، وهي قريبة من الحدود السورية، ويشق المدينة نهر دجلة المعروف، وقد وقعت أحداث هذا الموّال في هذه المدينة، واسم هذا الموال مأخوذ من بطلة الموال الفتاة الجميلة سوزان، وإليك قصة الموّال، وقد ترجمتها أنا من إحدى الفيديوهات المنتشرة على قناة اليوتيوب والتي تقص الحكاية باللغة التركية، وهذه الحكاية مشهورة معروفة في الفولكلور الشعبي التركي.

ففي الجانب الغربي من تركيا وتحديدا في مدينة ديار بَكِر الكبيرة، يوجد جبل الأربعين، وقد كان جبل الأربعين يأتيه الناس الذين ليس لهم أولاد، كي يتمنوا أولادًا من الله هناك، كان هناك اثنان من النصارى السُّريان، لا ينجبان أبدا، فاقترحت المرأة السريانية على زوجها أن تذهب لزيارة جبل الأربعين، فقال لها زوجها: كيف نفعل ذلك ونحن لسنا مسلمين؟!، فقالت له الزوجة: دعنا نجرّب، نحن لم نستطع أن ننجب منذ عقود، لعل زيارة الأولياء تنفعنا في هذا الأمر، فذهبا بالفعل وقرّبا القرابين، فذبحا ووزّعا اللحم على كل المريدين الذين في جبل الأربعين، فاستجاب الله دعاءهما، وولدت المرأة طفلة سمّتها سوزان، وكانت تناديها سوزي، وكانت الأم كل سنة في عيد مولدها تزينها وتلبسها أحسن الثياب، وتذهب بها إلى جبل الأربعين، وتذبح هناك وتوزع على مريدي أولياء الله.

 

وهكذا كبرت سوزان وأصبحت فتاة جميلة يافعة، وكانت العائلة متصلة بجيرانهم المسلمين، يزور بعضهم بعضا، ويعرف بعضهم بعضا، وبمرور الوقت والأيام، كان من بين هؤلاء شاب اسمه عادل، تعرّف على الفتاة الجميلة سوزان، ووقع كلٌّ منهما في عشق الآخر، وفي ذات يوم ميلاد سوزان، ذهبت الأم مع الخُدّام كالعادة لجبل الأربعين لذبح الذبائح وتوزيعها على أولياء الله والمريدين، وفي ذلك اليوم ذهب كل من عادل وسوزان خلف جبل الأربعين، وجلس كل واحد خاليا للآخر، وأفضى كل منهما للآخر ووقعا في الزنا.

 

وكان هذا الفعل الشنيع في مكان مبارك خلف جبل الأربعين، لذلك لم تبارك الأولياء هذه الزيارة، ولم تبارك هذا الجمع، وغضبت الأولياء على سوزان، فأصاب سوزان الذهول من هذا الفعل الشنيع، حتى صعدت إلى كوبري نهر دجلة وألقت نفسها في النهر العميق المخيف، أما عادل فجُنّ هو الآخر، وظل يجول في الشوارع وهو يبحث عن سوزان، وظل ينادي على سوزان بهذه الكلمات التي أصبحت فيما بعد موالا تركيا، وقد تَرْجمتُ كلمات هذا الموال، يقول:

على وجه جبل الأربعين
عمّنا الظَّلامُ من كل ناحية
هداكِ الله أيتها الظالمة سوزان
لقد أصابتنا تلك الزيارة… زيارة الأولياء

تحت الكوبري سوادٌ في سواد
تعالَي ياسوزان تعالَي… فلتبحثي عنّي
لقد امتلأ شعري بالتراب
فلتأتين بمُشطٍ وتُمشّطين شعري

في زاوية غازي… الهواء رطبٌ
أما نهر دجلة… فهو عميقٌ عميقٌ
لا تبكي أيتها الأم الغريبة
مولاي القدير كريمٌ كريمٌ

وهذا الموّال يعطينا عدة صور مهمة عن العقل الجمعي في تلك البقعة من تركيا، فالتصوف يأخذ محورًا مهمًّا من الحياة التركية، فزيارة الأولياء في كل مكان، فلا توجد مدينة تقريبًا إلا وفيها وليٌّ من أولياء الله كما يعتقد مريدوه ويذهبون إليه يتبركون منه، وأشهر الأولياء الموجودين في تركيا السلطان أيوب القابع في مدينة إستانبول، تلك المدينة الجميلة، وجامع السلطان أيوب يرقد فيه الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري، الذي قُتل حينما أتى مع يزيد بن معاوية في محاولته لفتح القسنطنينية، وله مَشْهد كبير يتبرك به الأتراك ويأتون له من سائر المدن التركية، حتى إن بعضهم يأتيه قبل أو بعد أن يحج ويعتمر ببيت الله الحرام.

وجبل الأربعين يأخذ مكانة كبيرة في مدينة ديار بكر، ورقم أربعين كذلك له مكانته فتوجد عدة أماكن ومناطق تسمّى بالأربعين، من بينها هذا الجبل، وهو مأخوذ من المعنى الصوفي لكلمة أربعين وارتحال موسى عن بني إسرائيل إلى خلوة مع الله أربعين يومًا، كما يعطينا الموّال إشارة إلى التنوع الثقافي الموجود في تركيا بوجود النصارى السّريان، وغلبة الثقافة الصوفية التركية وسيادتها في الجو العام، لا ننسى الاتجاه الأخلاقي المحافظ المتدين المنتشر في تركيا.

 

وهذا الاتجاه يتزعمه أرباب التصوف والمتصوفون في كل مكان، ولا تتعجب إذا قلت لك بأن هذا الاتجاه المنتشر في تركيا يشبه بطريقة ما الاتجاهات السلفية المحافظة في بلداننا العربية، فالاتجاه الصوفي في تركيا هو اتجاه محافظ بكل ما تحمل هذه الكلمة من معانٍ، وبعد أربابه يصل إلى درجة التشدد، فالمحافظة على العبادات في شكلها العام، ليس ككثير من البلدان العربية، فلا تستطيع على سبيل المثال أن تدخل لتصلي صلاة الظهر ثم تخرج بعد الصلاة دون أن تتبع ذلك بصلاة النوافل، وكذلك الذكر وحلقات الذكر هي إلزامية، وهذه ردة فعل شديدة للاتجاه العلماني المتشدد أيضًا، وعلى كلٍّ فمقصد القول هو أن تقبيح فاحشة الزنا التي وردت في الموّال وتحويل فاعليها إلى ما بين منتحرٍ ومجنون، هو أحد المقاصد لتحفيز العقل الجمعي التركي على ترك مثل هذه الفواحش حتى ولو كان هذا في ثوب موال، وليس على لسان خطيب جمعة، أو في ضمن آية وحديث، وأمثال ذلك موجودة كثيرة في التركية، كما لها نظائر عندنا في العربية.

بقي أن نلفت الانتباه إلى الحس الرومانسي المفعم به الموّال، والذي يُعدُّ إحدى العوامل الأساسية في شد انتباه المستمع وتأثر قلبه به، هذا الحس الرومانسي الذي يظل هو السائد والمسيطر في الحياة العامّة في تركيا، وقد تمثل هذا الحس في تحطّم ذلك الرجل رغم أنه رجل، وإهالة التراب على رأسه، فرأسه مملوءة بالتراب، وهو ينادي على سوزان أن تأتي بمشط وتنظّف شعره، وفي آخر الموّال يخاطب ذلك العاشق الولهان أمَّ سوزان قائلة لها: لا تحزني أيتها الأم! فإن الله سيرحم هذه الفتاة المسكينة التي ماتت.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة