تونس.. الثورة للشباب والعجزة يراكمون ثرواتهم!

يقول شاعر الخضراء أبو القاسم الشابي: ألا ليت الشباب يعود يوماً.. فأخبره بما فعل المشيب. لعل الشباب يعود ولعل المشيب يُعيد فعلته من جديد. في تونس اليوم عاد الشباب ولازال المشيب مهيمناً على الأحداث، وكل الحديث إلا اللمم من بعض حريات يعاشرها البعض على حياء أو يمارسها بلا استحياء، فتطاله عيون السهارى وتصله عصا الحكومة بمطرقة القضاء، الذي – والحق يقال – يُعتبر إلى حد كبير نقطة مضيئة وسط عتمة مُضنية. سبع سنوات ونصف مرت على ثورة الحرية والكرامة في إفريقيا، ثورة قادها الشباب وركبها كل من هب ودب، ثورة كان شعارها أولاً: شغل حرية كرامة وطنية. فماذا تحقق اليوم منها من بين هذا الثلاثي الرهيب.

بالنسبة للشغل، لازالت نسب البطالة في تونس في ارتفاع كبير، بارتفاع عدد المجازين سنوياً مقابل عدم استيعاب سوق الشغل إلا القليل القليل، وما تجميد الحكومة للإنتدابات لسنتين متتاليتين والثالثة في الطريق، إلا أكبر دليل على صدق ما نقول. وأما عن الحرية فيكاد يكون المكسب الثمين الذي يتنفسه جل الشعب التونسي ويواصل نضاله من أجله، ولازال يدفع كل ما يملك ويدافع بكل أسلحته عنه. ويعتبر حال البلد أفضل بكثير من بلدان عربية اخرى أنهكها الفساد وحال البلاد، وتكميم الافواه في غطرسة مقيتة وديكتاتورية حمقاء لم تتعظ من تاريخ الثورات ولا من ثورة الماضي بين ثنايا التاريخ. ولا من عدالة القدر في موت السجان قبل السجين المحكوم عدواً بالإعدام. إذاً لا زلنا نعتبر الحرية في بلاد ابن خلدون مكسب جميلاً والحمد لله.

ثم ما لبثنا أن تذكرنا الكرامة الوطنية، فالوطنية ليست أعلام ترفع في أعالي البناءات الحكومية، ولا نشيد يتلى في باحات المدارس بأصوات محشرجة من أبواق قديمة لأسطوانات مشروخة، ولا هتافات الأطفال في الفصول وبين الازقة: (نموت.. نموت ويحيا الوطن). وكأن الحياة لا تسعهم هم والوطن، وكأن التضحية تعني التخلص من إحداهما ليعيش الثاني، وكأن الحياة أبت أن تكون حياة لهذه الأفواه الجائعة. وكأن الوطنية لباس يخلعه (ملاّك الوطن) على من يريدون ويرضونه مواطناً، ويخلعونه عمن يريدون فتصبح الوطنية سيف مسلط فرق رقاب الخلق، وغول عظيم في أسطورة رميت قسراً في التاريخ لتصنع جيلاً من (الوطنيين) يخافون في الله لومة لائم. أما عن الكرامة فحدث بلا حرج عن كلمة رنانة تعني أن تعيش كريماً سعيداً جميلاً، أن تعيش ملكاً في وطنك، ثم إن الكرامة الوطنية تعني اختصاراً السيادة، وهنا السؤال الأهم أي سيادة لوطن يعيش أهله مذلة الأهل وبلادة المستعمر السابق؟

رمت الذاكرة صورة للمدرسة وفي باحتها صوت يردد: إذا الشعب يوماً أراد الحياة.. فلابد أن يستجيب القدر..

أي كرامة وأي سيادة لشعب لا يملك من الثروات شيئاً يُذكر، إذاً سبع سنوات عجاف أكلن ما قدّم الشعب لهن، في انتظار أمل مؤكد أنه سياتي بأذن الله، وفي انتظار عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون. سيظل هذا الشعب يُعصر أشتاتاً وجماعات، ولا ينجو إلا القليل ممن كتب الله لهم النجاة، وممن ظل يسقي ربه خمراً، ولكن قبل كل هذا العديد سقاه ربه خمراً فلم يعد يرى إلا ما يراه ربه، الذي "فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ" وارتفعوا إلى الثروة على صهوة الثورة فتحولت الأحزاب الملاذ الآمن للعديد منهم، واستحالت هذا الدكاكين إلى سوبر ماركت تفرش سجاد الصلاة حيناً، ثم تبيع الخمر حيناً آخر. فتُرتفع الكفوف تصفيقاً وتُرتفع الحناجر تهليلاً وتعظيماً، وحيناً من الدهر تطبيلاً. فينتشي النديم ويثمل الساقي، ويصير العناق بين الذئب والشاة على مرآى ومسمع الراعي، وإن قابل عناد أحدهما جوع الراعي، سيأكل الشاة ويفترش جلد الذئب.

إذاً هكذا وَصف أحدهم فصارت الشاة ذئباً وصار الجلاد ضحية، وصار السجين سجاناً واستحال الوطن سجناً يروم ساكنيه الهجرة منه براً وبحراً وجواً. ولكن أين لهذا بهذا "فالعين بصيرة واليد قصيرة" فصار الحل أن يعاقر المواطن خيانة الوطن خلسةً، هرباً من سجن الوطن وحبل الوطنية، إلى أرض الكفر والوثنية، فارين بما تبقى من تدينهم، هاربين من شيوخ يدعون إلى الإسلام، فيراه الكثير تنصيراً. فيفرون بهذا من هذا في اتجاه بلاد يعبدون فيها الله لا يشركون به شيئاً. فارين من شيوخ اعتلوا سدة الحكم من مشيب عصف بأحلام الشباب، مشيب يعيش أحلامه على حساب شباب يحلم أن يعيش، رغيف خبز حلال يكفيه، يعيش على الكفاف المهم أن يعيش، عاملاً حراً كريماً. برغم هذا وذاك لا يمكن أن نصور البلاد جحيم لا يطاق ولا جنة تجري من تحتها الأنهار، ولكن الوطن طريق طويل في حاجة للصبر وإماطة الأذى عنه بين الحين والأخر، وطناً يقبل كل من مشى عليه لا فرق فيه بين مواطن ومواطن إلا بكا بقدم له وقدر ما ينزعه من أشواك ليواصل المسير فيه، ثم لا يمكن أن نصور المشيب عيباً إن كان طيباً، ولا الشباب ميزة إن كان وهناً وعالة على الوطن، وليكن الوطن حياة نعيش جميعاً عليها. فصحح يا شاعر وأوجز يا وطني، فهيا نهتف معاً، نعيش.. نعيش ويحيا الوطن، فالوطن ليس: إما أنا أو أنت، بل الوطن أنا وأنت، الوطن حقلاً نزرعه معاً زيتوناً ونخلاً، فاكهةً وعنباً، وهذا لن يتحقق إلا بإرداه الحياة. رمت الذاكرة صورة للمدرسة وفي باحتها صوت يردد: إذا الشعب يوماً أراد الحياة.. فلابد أن يستجيب القدر.. حلم جميل أيقظ منه صاحبنا واقع حياتي، مسيرة شعبية تعلو هتافاتها: شغل حرية كرامة وطنية.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

نظم تونسيون في تونس العاصمة وقفة احتجاجية تنديدا بما وصفوه بالتدخل الإماراتي بشؤون تونس, وبمحاولة "الانقلاب الفاشلة على الثورة". وهتف المحتجون بشعارات ضد الإمارات, ووزير الداخلية التونسي المقال لطفي براهم.

في زقاق قريب من المدينة العتيقة ووسط عمارات متداعية تعود لحقبة الاستعمار الفرنسي أوائل القرن الماضي، يتصفح بديع عددا من الروايات العربية المعروضة على الرصيف وبعض الترجمات الأجنبية.

الأكثر قراءة