المجاملات.. نفاق اجتماعي أم ضرورة لتسيير الحياة؟

هنالك موقف طريف نتشاركه أنا وجميع أصدقائي ومعارفي دون استثناء -وهو أمر نادراً ما يحصل لامتلاكنا شخصيات واهتمامات مختلفة كلياً- وهو أننا جميعاً حصلنا على الأقل على هدية مكونة من طقم فناجين عند نجاحنا في الثانوية العامة وغيرها من المناسبات. بعبارة أخرى، قد نحصل على أموراً ليست مكافئة لما نعطي والأمر لا يقتصر على الهدايا بل يتعدى ذلك ليصل إلى المجاملات حيث أصبح تندرج أسفل العلاقات التقايضيّة التي تتطلب منا باستمرار تقديم شيء مقابل هدية ما أو مجاملة ما. كيف تكونت هذه العلاقة وهل يمكن تغييرها؟

 

على الرغم من الثقافة الواسعة الحالية من التعزيز الإيجابي والذي غالباً ما يكون على شكل مديح! يمكن أن يكون لدى الناس شكوك طبيعية تجاه أولئك الذين يقدمون الثناء بحرية كبيرة. يعتمد المعظم على الكلام -سواء في النبرة أو تركيب الكلمات- لتيسير تفاعلاتهم الاجتماعية، لكنهم يتوخون حذرهم من المبالغين في المديح والمجاملات.

 

إن السبب وراء هذا الحذر واضح جداً؛ إذا أن سيلاً من الإطراء والمجاملات إما يعني النفاق أو وجود دوافع خفية، ويمكن لردود الفعل على الثناء أن تكون كذلك أيضاً. نجد أنه تم التعبير عنه بفصاحة في تقويم جديد يحتوي على أقوال واقتباسات لمارك توين بما في ذلك مقتطف أحد فصول روايته Pudd’nhead Wilson التي نشرت عام 1894، حيث ينص المقتطف على التالي: "يسهل تحمّل مجموعة من التوبيخات المباشرة على احتمال مديح غير متكافئ". وصف توين المديح غير المتكافئ باستخدام كلمة "مرغنطي" وهي عبارة عن صفة يتم استخدامها في سياق السلالات الملكية لوصف زواج بين شخصين من رتبتين اجتماعيتين غير متكافئتين، مما يمنع مرور ألقاب وامتيازات الزوج إلى الزوجة وأية أبناء يولدون من هذا الزواج. إن استخدام توين ل"مرغنطي/غير متكافئ" أو غير متناسب يلفت النظر إلى الإحساس بعدم المساواة الاجتماعية وإلى القلق والتخوّف المحيط بقبول المجاملات.

 

قد يكون أولئك الذين يجدون أنفسهم في الطرف المتلقي للمجاملات سيئون للغاية في قبول هذه المجاملات، ستجد بعض الاستراتيجيات التي تمارس بشكل جيد لإفشال إطراءٍ إيجابي. فأحد الأمثلة على أبغض الردود على مجاملة ما عندما يتم ترجمة "سترة جميلة!" إلى "أحب ملابسك!" فيتبعها رد من شخص متبجح "هذا الشيء القديم؟ إنه يبدو وكأنه التقطته من سلة المهملات!".

 

لماذا يقاوم الناس كثيراً عند تلقي مجاملات؟
يدرك الناس جيداً ظروف التبادل: فهم يتبادلون هذا الشيء من أجل ذاك الشيء. لكن في ظروف نادرة عندما لا يكونوا قد جهزوا هدية كرد على ما تم تقديمه لهم فسوف يشعرون بالذنب

قد يكون أحد التفسيرات البسيطة هو أن المجاملات تدخل حيز الجمود وتُجابه بطريقٍ مسدود، وينتج ذلك عن فكرة ان قبول المجاملة أو أي إطراءٍ كان قد يعني انتهاك معيار التواضع. ومع ذلك، فإن إفشال المجاملة أو عدم قبولها يقوّض من وظيفتها الاجتماعية. قد يكون كل هذا صحيحاً جزئياً، لكنه لا يوضح سبب اختيار شخصٍ ما عدم الرد بكلمة "شكراً" المحايدة. في الواقع، قد يكلف الرد بالشكر -والذي يعني قبول المجاملة- ديناً علينا ردّه لاحقاً. كما يمكن لأي طالب متخصص في سوق الصرف أن يشرح ذلك؛ لا يمكنك قبول أي إطراء دون تقديم شيء في المقابل.

 

في معظم الأحيان، يدرك الناس جيداً ظروف التبادل: فهم يتبادلون هذا الشيء من أجل ذاك الشيء. لكن في ظروف نادرة عندما لا يكونوا قد جهزوا هدية كرد على ما تم تقديمه لهم فسوف يشعرون بالذنب. يشرح الفيلسوف جاك دريدا أن الحصول على هدية يمكن أن يجعل المرء يشعر بأنه مدين عالق في دوامة من التبادل الاقتصادي. لا يحب الناس الشعور بالالتزام ويحاولون التخلّص من عدم التكافؤ المتصوّر في أسرع وقت ممكن.

 

عبّر الفيلسوف تيودور أدورنو -من مدرسة فرانكفورت- عن قلقه أن إهداء الهدايا الخاصة قد أصبح من الطقوس الجوفاء. لا ينكر أنه في بعض الحالات على الأقل، يقدم الناس الهدايا على مضض. هذا الأمر ذا صلة اقل بفكرة إهداء الهدايا نفسها واختيارها؛ إذ يبدو أن تقديم الهدايا وكأنه التزام على نطاق واسع إلى حد ما. بالطبع توجد ثقافة إهداء الهدايا بين العشاق والأصدقاء وأفراد العائلة. من ناحيةٍ أخرى، هنالك أيضاً سانتا السري وهدايا لعبة الفيل الأبيض -وهي لعبة حفلة عيد الميلاد منتشرة بشكل رئيسي في أمريكا الشمالية والهدف منها تبادل هدايا عيد الميلاد بين المشاركين من كومة من الهدايا التي يقوم المشاركين باللعبة بالمساهمة بها؛ وهي ممارسات تجعل روتين إعطاء الهدايا يتخطى دوائر الأشخاص الذين نعرفهم جيداً بما يكفي لجعل اختيار الهدايا أمراً ممتعاً.

 

ينبع هذا الخيار الإجباري -الوفاء بالتزامك برد المجاملة أو الاستسلام للشعور بالذنب لعدم قبولها أو ردها- من الانتماء إلى مجتمع منظم حول السلع وتبادلها
 

يوجد لهذه المناسبات الإجبارية بطاقات مطبوعة مسبقاً وأدلة تجارية تساعدك مثلاً على اختيار هدية لزميلك في العمل الذي لم تتحدث إليه مطلقاً. حتى عندما يكون المتلقي معروفاً، يرغب الأشخاص في تقليل الجهد اللازم للإهداء. أذكر في إحدى المرات أن أحد الأقارب أرسل لي سلة هدايا مليئة بالفاكهة المجففة والمكسرات واللحوم المقددة، ما كان مثراً للسخرية هو أني وهو نباتيين. إذا أصبح تقديم الهدايا أكثر تقايضيّة حيث أصبح قبول ورد الهدايا هدف في حد ذاته فإن الإطراء والمجاملات أيضاً كذلك.

 

ينبع هذا الخيار الإجباري -الوفاء بالتزامك برد المجاملة أو الاستسلام للشعور بالذنب لعدم قبولها أو ردها- من الانتماء إلى مجتمع منظم حول السلع وتبادلها. تكمن المشكلة في أنه إذا كانت المجاملات عبارة عن معاملات فإن شعورنا بأننا مدينون هو أمر طبيعي جداً. إن تصور إمكانية التغلّب الكامل على طرق تفكيرنا حول المجاملات يتطلب منا إعادة النظر في أشكال حياتنا الاجتماعية والاقتصادية. في حين أنها مهمة عسيرة في الواقع، إلا أنها قد تشكّل الهدية الحقيقية التي أَمِل كلا الفيلسوفين دريدا وأدورنو أن تصبح أمراً واقعاً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مترجم عن (أيون)



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

بادرت الصين بتغيير اسم نهر له صلة باللغة العربية بمنطقة نينغشيا التي تعد أكبر منطقة يعيش بها الصينيون المسلمون من قومية "هوي" وذلك بغرض إخضاع الثقافات المتنوعة لرؤية السلطة.

الأكثر قراءة