الأمومة وعقدة الذنب

أن نكون أمهات فهذا يقتضي بالضرورة أن نعاني من عقدة ذنب لا نهاية لتأثيرها على حياتنا. نشعر بالذنب فيما يتعلق بصحة أطفالنا، بنومهم، بطعامهم، بفرحهم، بمهاراتهم، بأوقات فراغهم، هناك دائماً سبب يدفعنا للجلوس في ركن مظلم نفكر في كل ما يمكن إصلاحه. وكثير منّا كأمهات نعلق في دائرة الإحساس بالذنب والتقصير فتترك الخير كله بدلاً من التعلق بالقليل حتى يزيد.

تمرُّ بي فترات أكون فيها سريعة الغضب، قليلة الصبر، لا طاقة لي بالمحايلة والمسايرة. أستعيض عن قراءة قصة بمشاهدة قصة، وأستبدل وقت اللعب بنزهة حول المنزل حتى لا أضطر لافتعال المتعة والحماس، وأستمتع بالتمشي مع البنات ونتبادل الحديث، نتغدى بيضاً وفولاً لأنني لا أطيق الطهي ذي ذلك اليوم، وغيرها الكثير من الأمور التي تضيق بها النفس في أحيان. ثم أنفرد بها في آخر الليل فأعاتبها على ما أراه تقصيراً، وأقول غداً سنذهب للحديقة مثلاً، أو غداً سنأخذ حصة غناء ورقص، أو غداً سأعد لهن عجينة للعب.. ألتزم أو لا ألتزم بما عزمت عليه، ولكنني أحاول أن يكون الحد الأدنى هو ألا أفقد أعصابي ولا أظهر نفاد صبري خصوصاً في الأوقات التي تختار فيها طفلاتي أن توحدن مجهوداتهن للقضاء على آخر بقايا صبري.

 

ليس سهلاً على الأم والأب أن يبقيا في حالة من الهدوء والسلام النفسي مع أبنائهم طوال الوقت، وليس واقعياً أن نطلب منهم أن يستمتعوا بالكثير مما يجب عليهم فعله مع أطفالهم ببساطة لأنهم ليسوا أطفال، ولكنهم يدركون واجباتهم ويحاولون قدر المستطاع أن يوائموا بين حياتهم وأعمارهم وحياة أطفالهم واهتماماتهم وما يستحقون. وهذا أحد الأسباب التي تجعلني أنتقد تأخير أعمار الزواج، ولكن ليس هذا موضوعنا الآن فلن أخوض فيه.

 

أحياناً ولكثرة ما يرى الأهل من بهرجة وتزين عند بعض المربين والأمهات في هذا الفضاء الأزرق يعتقدون بأنهم فاشلون وبعيدون كل البعد عن إمكانية ممارسة أمومة واعية وسليمة. ويغلب على ظنهم أنهم بحاجة إلى كل تلك الأدوات والألعاب والملونة، والمناهج التعليمية المنمقة، والأنشطة الخارجية الموسعة، و و و … ولكنهم لا يمتلكون الموارد ولا المعارف التي تؤهلهم للحصول عليها. فيقعون ضحية اليأس ويفرغون هذا الغضب غالباً في ذلك الطفل المسكين، فيزيدون الطين بِلة.

 

نحن نتعلم الأمومة ولا تأتي إلينا وحياً.. نعم عليك أن تقرأي وتتعلمي وتبحثي وتتخذي كل قرار عن وعي. عليك أن تلتزمي وتحاولي مهما بدر منك من تقصير أو خطأ
 

والحقيقة أننا جميعاً نفشل أحياناً، أنا أفشل في كثير من الأحيان، أقصر مع أطفالي فيما أحب أن أفعله معهم وما خططته لنفسي ولهم، البيت ليس دائماً مرتب ونضيف بل غالب الوقت أنه أشبه بأرض معركة، لا أقتني الكثير من الألعاب والأدوات التعليمية ولا أتبع منهجاً معيناً لأنني لا أشعر بضرورته ولا أراه استثماراً جيداً لمواردنا. أجاهد حتى أضمن أن تأكل البنات غذاء متكامل، أتعب حتى يلتزمن بالكثير من العادات والسلوكيات الصحية السليمة. وأفشل كثيراً، ويتعبني الفشل، وأقول غداً سيكون أفضل، ويأتي الغد وأقصر في أمور، وأقول غداً سيكون أفضل، وهكذا نبقى في دوامة من المحاولة والإخفاق.

 

وهذا هو الطبيعي والمتوقع، الاستسلام والهرب من الأمومة لأمور أخرى تملأ فراغ ذلك الفشل لن تحل المشكلة. أعرف أن كثير من الأمهات يقلن: ماهي خربانة خربانة يعني فرقت على كوباية البيبسي، أو على الآيباد، هو ما بيحترمنيش أنا، حيحترم فلان أو علان.. وتتوقفن عن المحاولة. أحياناً يكون الأمر لكسل أو تكاسل، وأحياناً يكون ليأس وقلة حيلة.

نحن نتعلم الأمومة ولا تأتي إلينا وحياً.. نعم عليك أن تقرأي وتتعلمي وتبحثي وتتخذي كل قرار عن وعي. عليك أن تلتزمي وتحاولي مهما بدر منك من تقصير أو خطأ، أطفالنا متسامحون لأقصى درجة، أعتذر لهم فيتقبلون عذري، وأشرح فيتعلمون كيف تتغير الظروف ويتقبلون هذا التغيير. التأثير فيهم يكون على فترات طويلة وليس من يوم أو يومين. الصبر ثم الصبر والكثير من التعلم وتربية النفس.

 

ولكن الأهم من هذا كله كما أعتقد، هو أن ندرك أن أكثر ما يحتاجه منا أطفالنا هو الوقت والانتباه والحب. لو أننا نقضي يومنا مع أطفالنا نتحدث ونداعب ونحضن ونقبل ونعبر عن مشاعرنا، لكفانا وكفاهم ذلك وعوضهم عن كل نقض آخر. الطفل الذي يرى العالم من خلال عيني والديه يحتاج أكثر ما يحتاج في سنواته الأولى إلى أن يرى عالماً آمناً رفيقاً محباً أخلاقياً يقدر إنسانيته ويدرك أهمية وجوده. كلنا مقصرون وضعفاء أمام أنفسنا، ولكننا قادرون على تكرار المحاولة، وبعون الله سيرى الله صدق نوايانا وينظر إلينا بعين الرحمة ويعيننا على أنفسنا ويهدي لنا أطفالنا.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

بادرت الصين بتغيير اسم نهر له صلة باللغة العربية بمنطقة نينغشيا التي تعد أكبر منطقة يعيش بها الصينيون المسلمون من قومية "هوي" وذلك بغرض إخضاع الثقافات المتنوعة لرؤية السلطة.

الأكثر قراءة