شعار قسم مدونات

هل يمكننا إثراء الواقع بنظريات عصرية؟

blogs الإدارة العصرية

تتعدد النظريات الإدارية في عالمنا المعاصر، وقد لعبت التكنولوجيا العصرية دوراً مهماً في انتشار العديد من الأفكار والمفاهيم والنظريات التي تتصل بعلم الإدارة والتوجيه النظري والفلسفي الذي يتصل بالمجتمع ومجالات التأثير فيه من أجل جدولة وتنظيم العمل المؤسسي والمعرفي والفكري فيه؛ من خلال تقعيد المفاهيم والسلوكيات التي ترتبط بالإدارة وتوجيه النشاط الجمعي بصورة عصرية مؤثرة.

 

المؤسف في الملفات الإدارية العصرية هو اقتصار التعليم الجامعي في الدول العربية على تلك النظريات التي تركها الغرب الذي صدّرها بالدرجة الأولى، فهي نظريات عفى عليها الزمان، وقد بليت بعد تطبيقها لسنوات وعقود، فاستجد غيرها، وتم إلغاء كثير منها، وتم نقض عدد آخر منها حتى من خلال روادها والمنظّرين لها، وبتنا اليوم أمام واقع مختلف تماماً ومغاير لكل المنهجيات العقلية والسلوكية التي تم التعاطي معها في حقبة الخمسينيات والستينيات من القرن المنصرم.

 

وفي خلال تدريسنا للعلوم التواصلية والتفاعلية في عدد من الجامعات العالمية، وجدنا الفارق كبيراً والبون شاسعاً بين النظريات القديمة المهترئة وبين تلك التي يتم العمل بها اليوم في العالم الغربي، فنحن اليوم أمام علم اجتماع متجدد، علم اجتماع سياسي واقتصادي وفلسفي، ومنهجيات ومرتكزات وأفكار تعصف بالواقع العام، فتترك من يتبنى المعارف القديمة على رصيف الماضي يحلّق في خيالاته وأحلامه عن فهمه أو تمكنه من علوم الإدارة وفنونها.

 

نستطيع إثراء الواقع بسلسلة من النظرات العصرية القابلة للحياة والتأثير، وابتكار منهجيات استقاء الواقع بكل احتراف من خلال لوبيات أكاديمية ومؤسساتية تشمل مؤسساتنا النهضوية التعليمية كافة

نحن اليوم بحاجة إلى انتفاضة شاملة في معاهدنا ومؤسساتنا التعليمية، انتفاضة شاملة يمكن لها أن تلغي القديم البالي من الأفكار والمفاهيم والسلوكيات الإدارية التي تشبعت بها كتبنا الدراسية ورفوف مكاتب جامعاتنا، لاستبدالها بالعلوم العصرية، والنظريات الإدارية الجديدة التي ثبتت مصداقيتها، وبرهن الواقع على صحة اللجوء لها، وقدرتها على الحياة في عالم التكنولوجيا المتفجرة بالمستجدات يومياً.

 

لكن السؤال الأبرز هنا؛ من يمكن له النظر في هذه النظريات؟ ومن هو المؤهل للحكم على النظريات بمصداقيتها وجدواها ومستويات تأثيرها ومجالات الاحتجاج والاستدلال والاستفادة منها؟ والمجالات الأخرى التي ثبت فشلها فيها؟ وبالتالي، يمكن لنا حماية النشء القادم من كارثة الجهل المقنع، الجهل الذي يعشش في عقول حملة الشهادات العليا وطلبة كليات الإدارة والاقتصاد وعلوم الاجتماع والدراسات الانسانية التي غزتها النظريات التقليدية الكلاسيكية المهترئة والبائدة.

 

الأمر هنا ليس اعتباطاً، وليس ضرباً من اللهو والترف الفكري والفلسفي، بل هي علاقة متلازمة مع تهيئة الجيل وإعداده ليكون قادراً على التعامل مع المستقبل، والتفاعل مع العالم الحديث، وبغير ذلك نكون كمن يسابق الدنيا بخفين من الباطون الثقيل، فلا نحن نسبق، ولا نحن نقق كفايتنا من العلم والعمل في الجيل الحالي الذي سيقود ويؤسس للجيل القادم تلقائياً.

 

وهنا؛ أوجه النداء صاخباً مدوياً لكل الزملاء الأكاديميين والمستشارين والخبراء الدوليين كل في مجال تخصصه، وكل أستاذ في العلم الذي يتقنه، لتشكيل جبهة ضغط حقيقية فاعلة مؤثرة على كل دوائر صنع القرار في عالمنا العربي والإسلامي، لنستطيع إثراء الواقع بسلسلة من النظريات العصرية القابلة للحياة والتأثير، وابتكار منهجيات استقاء الواقع بكل احتراف من خلال لوبيات أكاديمية ومؤسساتية تشمل مؤسساتنا النهضوية التعليمية كافة، لنقول للجيل الحالي نحن معكم ولن نخذلكم، ولن نقبل بتاتاً بتلقينكم علوم الأمس على أنها صناعة المستقبل!

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.