شعار قسم مدونات

منْ غشَّنا.. فهو منَّا!

blogs شهادات التخرج

كشفت قضية تزوير الشهادات فى المجتمعات العربية سواء ما كان منها فجًّا وبالغَ الخطورة على حياة الناس كأن تجد شخصًا يُمارس الطب وفنونه يَدَّعي حصوله على شهادة في الطب، أو ما كان منها هادمًا للقيم كأن تجد مُزورًا يمتهن مهنة الأنبياء دونما مؤهلات تُسوِّغ له ذلك!

 

كشف ذلك عن مكامن خلل ثقافية مكَّنت هؤلاء من الإقدام على هذا العمل المُشين والضار، لذلك من المهم فهم السياق الثقافي الذى ساعد على بروز هذه الظاهرة قبل الحديث عن الأضرار الناتجة عنها، فالجميع يُدرك حظورة إقدام شخص على ممارسة الطب دون سابق دراسة أو تدريب أو اعتماد من الجهات المُختصة، وما يترتب على ذلك من مَآسٍ إنسانية واجتماعية بالغة؛ ولذلك سأُركز الحديث هنا عن الأسباب العميقة التى مهَّدت الأرض وجعلتها قابلة لوجود هذه الظاهرة فى المجتمعات العربية.

 

إذ نجد أن تصورات العقل الجمعي العربي عن العلم وقضاياه تكاد تنحصر فى نيل الشهادة الجامعية التى تضمن للإنسان وظيفة يقتات منها، ومن ثَمَّ أصبح همُّ الطالب والدارس هو الحصول على الورقة الرسمية التى تُثبت اجتيازه للاختبارات والامتحانات بنجاح، فأصبح هم العديد من المعلِّمين هو تزويد الطلاب بآليات الإجابة عن أسئلة الامتحان، دونما تفكير عميق أو دراسة تستدعى السهر بين دفات الكتب، ورفوف المكتبات، وقاعات المُختبرات؛ فأصبحت المنظومة التعليمية خالية من متطلبات العلم الرئيسية ومهاراته المهمة كالنقد والتساؤل، والشغف المعرفي، والبحث عن المعلومات، وتسجيل الملاحظات، ورصد النتائج والإبحار فى خبايا الظواهر الطبيعة والإنسانية.

 

مظاهر الغش وعدم الإتقان تفشت في جنبات المجتمع، والسبب المُباشر من وجهة نظرى يعود إلى انتشار جملة من المُغالطات الثقافية والدينية المُربكة للوجدان حول فلسفة وطبيعة العمل

وطالما أن المجتمع والمؤسسات وجهات العمل أصبح مقياسها الأوحد والرئيسي لحصول المُتقدم على الوظيفة بها هو حيازته للشهادة الورقية الرسمية فقط، دونما نظر في أي أبعاد أخرى تتعلق بحبه للعلم وامتلاكه لمهارات البحث العلمي! فكانت النتيجة المُترتبة على هذه المدخلات أن يزهد الطلاب والأساتذة فى الولوج  إلى أبواب المعرفة والعلم الحقيقية.

 

ومن ثم تلقى البعض الإشارة الخطأ وقرر الذهاب مباشرة لتركيز الجهود نحو نيل الورقة الرسمية سواء عن طريق الحفظ دون فهم وتعلم حقيقي، عبر إتقان آليات التعامل مع الامتحانات دونما دراسة وتعب، أو عن طريق أخرى أسرع وأقل جهدًا هو تزوير الورقة الرسمية المطلوبة لنيل الوظيفة والمكانة الاجتماعية! ومما زاد فى قابلية هذه الظاهرة للانتشار والتمدد فى المجتمع أن الصورة السائدة عن قيمة العمل والوظيفة تنحصر فى الذهاب والإياب إلى المكاتب والمصانع والمعامل فقط، بلا نظر في الإتقان والجودة والإبداع وسرعة الإنجاز، فمظاهر الغش وعدم الإتقان تفشت في جنبات المجتمع، والسبب المُباشر من وجهة نظرى يعود إلى انتشار جملة من المُغالطات الثقافية والدينية المُربكة للوجدان حول فلسفة وطبيعة العمل.

 

ونتيجة ذلك أن أصبحت مصانعنا لا تُنتج منتجًا يستطيع المنافسة مع منتجات الشعوب والمجتمعات الأخرى، ومؤسساتنا الحكومية في العديد من البلدان لا تقدم خدماتها بشكل سريع يُحافظ على كرامة الناس وأوقاتهم،  ولذلك أصبحت ظاهرة تزوير الشهادات ممكنة بحكم أن المُوروث السائد والصور النمطية عن العلم والعمل لا تجاوز التمسك بالمظاهر السطحية؛ فنيل الوظيفة يستدعي منك ورقة رسمية مُضاف إليها حضور فى مكان العمل دون النظر في النتائج والمنجزات؛ لذلك فإن تجاوزنا لهذه الظاهرة يستدعى تغييرًا عميقًا على المستوى القيم السائدة فى المجتمع يكون بالتوازي مع مقاومة التزوير بأدوات العدالة وسلطة القانون.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.