مالك بن نبي عبقريّ الجزائر وطبيب الحضارة

وُلد أستاذنا مالك بن نبي عام 1905 في مدينة قسنطينة بالجزائر، وانتقل بعد إكمال دراسته الثانوية إلى باريس حيث تخرّج عام 1935 مهندسا كهربائيا، واتجه منذ نشأته نحو تحليل الأحداث التي كانت تحيط به، ووضع جميع كتبه تحت عنوان مشكلات الحضارة. أصدر عدة كتب باللغة بالفرنسية (الظاهرة القرآنية، لبيك، شروط النهضة، وجهة العالم الإسلامي، الفكرة الإفريقية الأسيوية)، وبعد توجهه للقاهرة عكف على ترجمة كتبه وكتابة بعضها الآخر باللغة العربية.

انتقل إلى الجزائر عام 1963 حيث عين مديرا عاما للتعليم العالي، وأصدر هناك كتاب آفاق جزائرية، ويوميات شاهد للقرن، ومشكلة الأفكار في العالم الاسلامي، والمسلم في عالم الاقتصاد. ولسنا هنا بصدد معالجة أفكار بن نبي فذلك يحتاج إلى عشرات من الصفحات، ولكن هدفنا التعريف بهذا الرجل العظيم، الذي يتم تغييب اسمه عن قصد أو غير قصد في عقر داره ومسقط رأسه الجزائر، في حين يتم الاعتناء بكتبه نشرا ودراسة وبحثا في بلدان أخرى بعضها ليس حتى عربية أو إسلامية.

إننا بحاجة ماسة للعودة لقراءة موروث مالك بن نبي قراءة متأنية رصينة ومحاولة تجسيد أفكاره بشكل تطبيقي للخروج من هذه الأزمات المحيطة بنا والمستنقع الذي نغرق فيه مع مرور كل سنة، مشاكل اقتصادية اجتماعية ثقافية، نحن للآن بعد مرور عشرات السنوات من استقلال بلداننا لا زلنا نعاني من كثير من المشاكل التي تصل بعضها لتضرب الهوية والموروث الحضاري لشعوبنا، نعاني من هوة بيننا وبين تاريخنا، والنزعات القومية للطوائف والأجناس العرقية تعود للساحة بقوة، في تهديد واضح لتركيبة النسيج الاجتماعي لدولنا.

 

مالك وضع حلولا لمشاكل الحضارة الإنسانية بالمفهوم الشمولي، وهذه الحلول كانت لها ركائز، ومنها القراءة السنية للتاريخ

ومع أن دورة الدول تكون بالبداءة من الصفر ثم الارتقاء شيئا فشيئا حتى تصل إلى القمة ثم تعود إلى الانهيار، وهذه سنة كونية، إلا أننا على خلاف ذلك، فلم نصل بعد إلى القمة، بل ولا إلى ما يقرُب منها، ومالك بن نبي رحمه الله عمل جاهدا ليضع لنا القواعد والدعائم الضرورية للوصول إلى القمة، بالتدريج وإن كانت أفكاره تحتاج وقتا طويلا للتجسيد، إلا أنها مفيدة للغاية وفيها ما فيها من الخير العظيم للأمة والمجتمع الإنساني ككل.

المفكّر مالك بن نبي كان متأثرا بالنزعة الإسلامية على الرغم من أن هذا الجانب لا يتم إظهاره بشكل كاف عند من يكتبون عنه أو عن أفكاره، فمالك وضع حلولا لمشاكل الحضارة الإنسانية بالمفهوم الشمولي، وهذه الحلول كانت لها ركائز، ومنها القراءة السنية للتاريخ، وهذه ميزة عند المسلمين يبرعون بها، وكذا استفادته من مؤلفات علماء وفلاسفة المسلمين المبدعين أمثال ابن خلدون، لأنّ بن نبي امتداد طبيعي له، ضمن دائرة التجدد الكونية التي تطفو بفترات زمنية متباعدة.

لنتكلم قليلا عن بعض المفاهيم والتصورات عند بن نبي التي ذكرها في كتبه ومحاضراته التي ألقاها في باريس والقاهرة والجزائر، فمفهوم الإصلاح مثلا بالنسبة لمالك بن نبي هو تغيير نفسية الشعوب، وتخليصها من موروث الاستعباد والقابلية له، وإعادة إحياءها من جديد حتى تتفاعل مع معطيات الحضارة، كما أنّ الحضارة بالنسبة له عبارة عن معادلة رياضية إنسان زائد تراب زائد وقت، ولن توجد الحضارة حتى تمزج تلك العناصر مع بعضها، وهذا المركب الذي يمزجها هو الفكرة الدينية.

 

فيرى الدين أمرا أساسيا في نشوء الحضارة وصمودها، فالدين مؤثّر صالح للشعوب في كل زمان ومكان، وبيّن أنّ الحضارة هي من تولّد منتجاتها وليس المنتجات هي التي تولد الحضارة، وهذا في رده على الداعين لتطبيق الأفكار الغربية للوصول للحضارة بدون غربلتها وتطويعها لتلائم طبيعة الإنسان الشرقي ومعتقده وتكوينه النفسي والاجتماعي، كما ينبغي للحضارة حسبه أن تحدد من وجهة نظر وظيفية فهي مجموع الشروط الأخلاقية والمادية التي تتيح لمجتمع معين أن يقدم لكل فرد من أفراده، في كل طور من أطوار وجوده، منذ الطفولة إلى الشيخوخة، المساعدة الضرورية له في هذا الطور أو ذاك من أطوار نموه.

بينما يرى أن الثقافة راجعة إلى السلوك، وهي أعم من المعرفة، فالقيم الاجتماعية والخلقية، هي المحيط التي يشكل الفرد فيها طباعه وشخصيته، وتحدّث عن مفهوم الاستعمار وخالف الجميع في ذلك وتبنّى مصطلحا جديدا وهو "القابلية للاستعمار"، ويؤكد أن الاستعمار ليس بالضرورة هو مصدر التخلف في البلدان المستعمرة، وأعطى مثالا لدولة اليمن التي لم تتعرض للاستعمار مطلقا في تاريخها ومع هذا فهي من أكثر الدول تخلفا وفقرا.

مالك كان رجلا عميقا وأفكاره مركبة وليست بسيطة، وهو الذي يلقب ب "سابق عصره"، و"المجهول في قومه"، فالرجل راجت كتبه بعد وفاته، وعمل أعمالا جبّارة لم ير نتيجتها، ولم تخضع أفكاره للدراسة والبحث إلا بعد عقود من طرحها، وهو الذي قال لزوجته حينما كان على فراش الموت أنه سيعود بعد خمسة وعشرين وعاماً، تلميحا منه أنه سيتم الاعتناء بكتبه وأفكاره بعد سنين من موته، فمالك كان ضحية فكره التقدمي، وعالج قضية الحضارة بشكل لم يسبقه اليه أحد سواءا من علماء الغرب أو المسلمين.

الجو العام إبّان حياة بن نبي كان يتجاذبه تياران لا يزالان لحد اليوم ولكن للأسف في وقتنا طغى الفريق الأول على الثاني –لا علينا- فقد كان التياران هما التيار التغريبي الدّاعي لنبذ الدين واتباع الحضارة الغربية حذو القذة بالقذة للوصول حسبهم إلى قمة الحضارة والتطور والازدهار، فالدين بالنسبة لهم هو العائق الأول الذي يجب فصله عن الدولة، أما التيار الثاني فهو الأصولي الداعي للتمسك بمبادئ الدين، كحل وحيد للوصول لبناء الدولة المأمولة التي ترفع الغبن عن الناس وتعيد سلطان الله في الأرض، وكان النزاع بين الفريقين شديدا، ونادرا –إذا حدث أصلا- أن نجد مناظرة أو جلسة نقاش بين الفريقين، فنسبة الكراهية والحقد بينهما تجاوزت كل الحدود، بل وأن ما يصل أحدهما للسلطة إلا واستأصل شأفة الأخر ونكّل به وحاول القضاء عليه.

يروي أحد طلبته فيقول عندما كنا نأتي ونرى نافذة بني نبي مفتوحة فنعرف أنه كان يكتب ويفكّر، وإذا وجدناها مغلقة فقد كان يتعبّد ويصلي ويقرأ القرآن

مالك كان وسطا بين هؤلاء وأولئك، فقد وجّه نقده لكلا الفريقين، وحاول معالجة المشاكل الراهنة في وقته بنظرة إسلامية متفتحة ولا تخجل بتراثها الديني في نفس الوقت، فهو لا يدعو لاتباع الغرب في كل شيء والانسلاخ من تعاليم الإسلام، كما لا يدعو لترك العلوم والأفكار الإنسانية الراقية لدى الغرب، فجمع رحمه الله ما لم يستطع غيره على جمعه، فكانت أفكاره تتسم بالشمولية واتساعها لتستوعب الجميع. مالك بن نبي رحمه الله كان يحب حياة البساطة والابتعاد عن الترف والحياة الرافهة، يروي أحد طلبته فيقول عندما كنا نأتي ونرى نافذة بني نبي مفتوحة فنعرف أنه كان يكتب ويفكّر، وإذا وجدناها مغلقة فقد كان يتعبّد ويصلي ويقرأ القرآن، وكان يقتسم مع طلبته في القاهرة الأكل والشرب في شقة متواضعة بحي المعادي، وكان يصرّ على بيع كتبه بأقل الأثمان لتصل إلى جميع طبقات المجتمع على اختلاف حالتهم المادية.

مالك الذي تعرّض في الجزائر إلى بعض المكائد والدسائس ممن امتلئت قلوبهم غلا ونزقا عليه، فكتب في رسالة إلى الرئيس الجزائري آنذاك هواري بومدين "لقد تمكنت السلطات الموازية من إنهاء مهامي في مديرية التعليم العالي لأن وجودي في هذه المديرية كان يضايق مختلف المناورات المضادة لترقية الإطارات التي تنتظرها البلاد". كثير من الشباب الجزائري اليوم لا يعرف من هو مالك بن نبي، فأنّى لهم معرفة أفكاره ونظرياته وأطروحاته، فأغلبهم يحسبه على قيد الحياة، والآخرون يحسبونه كاتبا لبنانيا أو مصريا، ولا يعرفون هل هو فيلسوف أم شيخ أم ماذا بالضبط، هذا الرجل الذي هو عبارة عن ثروة معرفية ضخمة، ويعد حامل لواء النهضة الذي وضع يده على أهم قضايا العالم الثالث، والذي سبق عصره لم تكن له فكرة التحشيد حوله فلم يوجد عنده عدد كبير من الطلبة لنقل تراثه معارفه وبثّها بين الناس، وما زاد الطينة بلّة أنه يكاد يخلو اسمه من جميع المقررات الدراسية التي تضعها وزارة التربية والتعليم الجزائرية، في حين تعلّم في النّشأ عن أشخاص لم يقدّموا شيئا لهذه البلاد بل ربما كانوا وبالا عليها في كثير من الأحيان.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة