أطفال الشوارع في العراق.. إرهاب المستقبل!

مدونات - أطفال الشوارع 2

يعيش أطفال العراق بعد الغزو الأمريكي عام 2003م ظروف اجتماعية واقتصادية صعبة، حيث تَعُج شوارع العاصمة بغداد بأطفال الشوارع. ففي كل شارع وتقاطع تجدهم بكثرة وأضحت ظاهرة معتادة وطبيعية لسكان العاصمة بغداد. هل الأسباب المادية وحدها التي أدت إلى دفع الأطفال للنزول إلى الشارع؟، هذه الأسباب جزء كبير من المشكلة لكنها ليست كل المشكلة. بعد أحداث العاشر من يونيو عام 2014 ازدادت نسبة أطفال الشوارع وذلك أيضاً بسبب نزوح الكثير من العوائل من مناطق العنف والنزاع، وأصبحت العاصمة بغداد واجهة للكثير منهم بفعل الإرهاب والعمليات العسكرية، وكذلك للهاربين من مناطق الاقتتال العشائري في المحافظات الجنوبية. وكشفت الأمم المتحدة في تقريرها الصادر في 19 يناير 2018 أن الفقر والنزاع تسببا في انقطاع العملية التعليمية لثلاثة ملايين طفل في أنحاء العراق.

الأسباب الاقتصادية

لو عدنا إلى الوراء قليلاً وبالتحديد إلى العقد السبعين من القرن الماضي، نجد أن الطبقة الوسطى وهي طبقة الأطباء والمهندسين والمدرسين وضباط الجيش وأساتذة الجامعات، هي الطبقة المسيطرة في المجتمع، وكانت حبل الوصل بين طبقتي الأثرياء والفقراء وتمنع من اتساع الهوة الثقافية السياسية في البلد. وفي سنوات الحصار الاقتصادي التي فرضها مجلس الأمن على العراق في التسعينيات من العقد الماضي ودخول العراق في أزمة اقتصادية حادة، ظلت الطبقة الوسطى متماسكة نوعاً ما. بالرغم تسرب الأطفال الى الشارع وبيعهم "لأكياس النايلون" لإعالة ذويهم، إلا أن ظاهرة عمالة الأطفال ظلت في نطاق ضيق ضمن أسواق الخضار وأسواق الجملة وكان من الممكن السيطرة عليها ومعالجة أسبابها.

الواقع الاجتماعي في العراق لهؤلاء الأطفال منوط بالأسباب التي ذكرنا آنفا من حروب طائفية وحروب ضد الإرهاب، والذي خلف أعداد كبيرة من الشهداء والقتلى وفقدان الكثير من العوائل للمعيل أو عجز الآباء عن إعالة أسرهم.

وبعد عام 2003 أصبح المجتمع العراقي يتغير شيئاً فشيئاً، حيث بدأت الطبقة الوسطى هي ذاتها بالتغير بعد أن كانت مقسمة الى قسمين: طبقة وسطى عليا، وطبقة وسطى دنيا. نجد الآن المجتمع العراقي مقسم إلى طبقة عليا من الأثرياء، والتي هي سبب بلاء المجتمع العراقي. حيث أن نصف هذه الطبقة إذا ما بالغنا، تعيش على الفساد المالي والإداري في الدولة وسرقة مؤسسات الدولة بعد الفوضى التي حصلت عقب الغزو مباشرةٌ. وطبقة وسطى عليا والتي تتمثل بالموظفين الذين متاح لهم كل شيء من قروض ميسرة ومنح ومخصصات وسيارات وقطع أراضي، وكذلك الانتشار الواسع للمدارس الأهلية الظاهرة للعيان، وباستطاعة هذه الطبقة دفع أقساط أبناءها بكل يسر وسهولة. في المقابل "انحسار الطبقة الوسطى الدنيا واتساع الطبقة الثالثة" وهي طبقة الفقراء المحرومة من كل الامتيازات والتي يرتاد أبنائها المدارس الحكومية وفصولها البائسة. كذلك عدم وجود ضوابط من الدولة لضبط عملية جودة التعليم ومنع تسرب الأطفال من المدارس. بالإضافة إلى كثرة أعداد الشباب العاطلين عن العمل في وقتنا الحاضر، كل هذا جعل أهالي الأطفال يستقرئون الواقع حسب ما يناسبهم ويختصروا الطريق ويخرجوا أبنائهم من المدارس وجعلهم يعملون في بيع المناديل الورقية والسجائر ومسح زجاج السيارات في تقاطعات الشوارع الرئيسية وناصيات الارصفة.

الواقع الاجتماعي

الواقع الاجتماعي في العراق لهؤلاء الأطفال منوط بالأسباب التي ذكرنا آنفا من حروب طائفية وحروب ضد الإرهاب، والذي خلف أعداد كبيرة من الشهداء والقتلى وفقدان الكثير من العوائل للمعيل أو عجز الآباء عن إعالة أسرهم بسبب العاهات المستديمة التي تعرضوا لها. وكذلك اتساع الهوة بين طبقات المجتمع واهتمام الحكومات المتعاقبة بعد 2003 فقط بمشاكلها وصراعتها السياسية وعدم اكتراثها للجانب الاجتماعي والاقتصادي. كما أن ازدياد حالات الطلاق والأرقام الصادمة التي احتلت مركز الصدارة بين الدعاوى الشرعية أمام محاكم الأحوال الشخصية، حيث بلغت نسبة الطلاق بين الزوجين في أحد الاشهر من عام 2017 حسب الإحصائيات الشهرية التي ينشرها مجلس القضاء الأعلى العراقي لحالات الزواج والطلاق في عموم محافظات العراق، إلى 5191 حالة طلاق وهذا العدد فقط في شهر واحد. كذلك ازدياد العصابات المسلحة التي تتاجر بكل شيء والأطفال أصبح جزء من تجارتهم المنظمة لما يدره العمل في الشحاذة في الطرقات من أموال جيدة.

أذكر في إحدى المرات وأنا عائد في طريقي من العمل في انتظار سيارة الأجرة، طلب مني أحد الأطفال أن أوصله لأقرب نقطة ممكنة قريبة من مكان سكنه فلم أمانع وركب الطفل معي، وإذا به يفترش الكثير من النقود على المقعد الخلفي فالتفت له سائق سيارة الأجرة وقال له باللهجة العراقية العامية "من وينلك كل هاي الفلوس" بمعنى من أين لك كل هذه النقود. فرد الطفل هذا عمل اليوم بالشحاذة، فسألته أنا مستغرباً "هذا فقط عمل اليوم" فأجاب الطفل نعم. كان المبلغ ما يقارب السبعون ألف دينار عراقي أي ما يعادل ستون دولار أمريكي. فضحكنا بصوت منخفض مستغربين أنا والسائق، وقلت للسائق ساخراً وأنا أعمل يومياً كصحفي بنصف هذا المبلغ. الشاهد في هذه القصة أن عمل الأطفال في الشحاذة أضحى تجارة مربحة للعصابات التي تتاجر في الأطفال، ناهيك عن الأمور الأخرى التي يتعرض لها هذا الطفل والذي يجعله عرضه للتحرش الجنسي ولقمة سائغة بيد التنظيمات الإجرامية والإرهابية. وبهذا سنكون مقبلين في الأفق على جيل مسحوق داخلياً وممتلئ بالحقد والكراهية والانتقام، لا يردعه دين أو أخلاق أو قانون ولا قيم اجتماعية. لذلك يجب على الحكومة العراقية والحكومات القادمة والمنظمات المعنية والأمم المتحدة التعامل مع هذا الامر تعامل حقيقي، وإلا سنشهد جيل لا يقل عن الإرهاب بشيء.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.