على حطام الموصل.. كانت الذكريات!

blogs الموصل

أُحرِقتْ على ضفافِ دجلةَ أمنيات العاشقين، تركوا خلفهم ألف ذكرى وأمل تطلعوا من خلالهِ لأيامِ جميلةٍ قادمة، تحمل في زواياها تعابير لإشراقةِ نَديّة، وتستمد من تعابير وجه صاحبها التفاؤل والسرور. كهذا كانت.. مُذ فتحت بساط عينيها لترى نور من حولها يخفتُ شيئاً فشيئا، ويغادر من تعودت على سماعِ صوته بعد كل أذان وهو يقول: (اللهم ربَّ هذه الدعوةِ التامة.. الخ)، راحلاً بعيداً إلى اللاعودة بعدما أصر على أن يساير أولئك الذين يحجبون وجوههم متخفين هرباً من الواقع، وأمٌ تمالكها القهر ورحلت دون أن تجد من يسعفها بسبب الحصار.

 

"سُعاد" ذات العشرين ربيعاً.. وبعد عامٍ من انتهاء الصِدام في الموصل، وعودتهم إلى منزلهم وسط الركام في المدينة القديمة بالجانب الغربي منها، رشقت الذكريات بحجارةٍ حملتها من أطرافِ ركام منزل "بُثينة" زوجة والدها الثانية. في فبراير ٢٠١٦، بدت وكأنها تحاول طي صفحات الماضي المؤلمة، كما تحاول نسيان اللحظات المفزعة التي عاشتها في ذلك المنزل أبّان تلك السنوات القاسية، إلا أنها لم تنسى ما تلاشى في باطنها من فقدانها لوالدها، وأخويها اللذان كانا يحاولان أن ينقذانها وأختيها من نيران الحرب التي التهمت كل شيء، مات كل شيء، دفن الحب على أعتاب المنزل الذي أصبحَ حطاماً جثمت تحت ركامه الكثير من الذكريات.

 

توسدت الآمال سقوفه التي سقطت عنوةً بعدما صمدت لعقود، رحل أخويها إلى حياةٍ أخرى، نقلتهم شظايا اللغم الأرضي الذي كان في جانبِ عمود الكهرباء المقابل للمنزل عندما عادا ليأخذا بعض الأشياء التي ربما يحتاجون إليها في طريقهم إلى مخيم النزوح الذي لجأوا إليه فيما بعد، لم تكن تعلم حقاً أنها ستفارق كل شيءٍ جميل، تهرول مع أختيها وزوجة أبيها محاولةً اللحاق بشاحنة النقل العسكرية، هاربةً من احتدام القتال وأزيز الرصاص وانفلاق الصواريخ في حيهم العتيق، وصلت واستقلت الشاحنة المتوجهة إلى المكان الآمن، وعينيها تذرفان الدمع الممتزج بدخانِ المعركة.

العقاب الآخر على الأثر.. مخيم النزوح
انقضت ستة أشهر وهم جاثمون في خيمتهم، يلازمها شعور الأمل مصاحباً الألم الذي لطالما كانت تعيش معه، حتى أعلنَ عن استعادة منطقتهم القديمة، وطالبت إدارة المخيم بالعودة إلى الموصل

وصلت شاحنة النقل العسكرية إلى منطقة "باطنايا" حيث مكان التدقيق الأمني ومن ثم النقل في باصات حكومية إلى مخيم النزوح لتبدأ هنالك حياة أخرى، حياةٌ لو شبهناها بالسجن لكان الوصف دقيق ومؤلم بذات الوقت. بعد التدقيق الأمني نُقلت "سعاد" مع أختيها وزوجة أبيها وهي تقرأ الأنفاس في داخلهم (ياااه.. هل جاءنا الخلاص أم أن ما ينتظرنا أصعب وأقسى..؟).

وصل رتل الباصات إلى المخيم في أطراف أربيل وكان الجميع باستقبالهم، من متطوعين في منظمات إغاثية وإدارة المخيم، ودونت وصولهم عدد من كاميرات الصحفيين، وقامت إدارة المخيم بعزلهم في مكانٍ بمقدمة المخيم على يمين البوابة، ويحيطهم سورٌ يمنع دخول أحد إليه إلا المخولين بالدخول، تم تدوين أسمائهم وتوزيعهم على الخيام التي خصصت لهم في القطاع الأخير من المخيم.

حملت "سعاد" أمتعتها التي أخذتها من إدارة المخيم وبرفقة أختيها وزوجة أبيها وتوجهت إلى خيمتها والدموع تغوّر بغزارة وهي تترقب ما سيؤول إليها من قدر، وما أن تخلت خيمتها حتى أنتابها الفزع والخوف والحذر، بدأت تصرخ وتقول (لو كنّا مُتنا تحت القصف أرحم لما من هذا السجن).. رمت أمتعتها وبدت تفكر بمصير أختيها (حنين – ١٦ سنة) و(بنين – ١٥ سنة) وتركهن لمدارسهن، بدأ الغروب وبدأنَّ بترتيب أمتعتهنّ حتى بدأ التعب يصاحبهنّ ترافقه دموع الحيرة والترقب. بدأت تلك الحياة الجديدة داخل المخيم لتبدأ معها رحلة الألم وفقدان الأحبة، وكأنها عالمٌ جديد من دون أمٍ وأبٍ وأخوة، جميعهم رحلوا وما بقيت لديها سوى طيوف وملامح وجوههم.

ها هي الموصل اليوم ألبستها الحرب حِلل الدمار، وفي كلِ زاويةٍ منها أكواماً تضم تحت أحجار ركامها جثثٌ لا تُعرف هوية أصحابها.. إلا أن لأهلها كبرياء الفرسان، محملين بذكرياتٍ لا يكادون يفرقون بين أبيضها وسوادها
ها هي الموصل اليوم ألبستها الحرب حِلل الدمار، وفي كلِ زاويةٍ منها أكواماً تضم تحت أحجار ركامها جثثٌ لا تُعرف هوية أصحابها.. إلا أن لأهلها كبرياء الفرسان، محملين بذكرياتٍ لا يكادون يفرقون بين أبيضها وسوادها
 

بدأوا تحت رحمة من يعطفُ عليهم

انقضت ستة أشهر وهم جاثمون في خيمتهم، يلازمها شعور الأمل مصاحباً الألم الذي لطالما كانت تعيش معه، حتى أعلنَ عن استعادة منطقتهم القديمة، وطالبت إدارة المخيم بالعودة إلى الموصل على الرغم من الدمار الذي لحق بمنطقته واستهداف منزلهم، إلا أنها كانت مدركة ان الخيمة التي يستظلون بها لو كانت أمام منزلهم لتكون أجمل وأكثر حرية من البقاء خلف أسوار المخيم المحكمة، أصرت على العودة حتى سمحت لهم إدارة المخيم بالمغادرة وتزويدهم بتصريح الخروج بموافقة القوات الأمنية التي نقلتهم إلى منطقتهم، حتى وصلت لتنزل مسرعةً باتجاه منزلهم المدمر، وتشاهد أكوام الركام وبقايا الحرب من عربات محروقة وأبنية كانت في السابق شاخصة ومسجدٍ أصبح مساوياً للأرض بسبب القصف، حتى أبتل جبينها بالدموع وهي تشاهد محيطها.

 

تزداد الدموع مصاحبةً الصرخة وهي تنظر إلى المكان الذي مات فيه أخويها عندما هربوا مع احتدام المعركة، لتأخذ أختيها وتذهب إلى منزل جارهم القريب الذي تضرر بشكل جزئي والذي قُتلَ هو وزوجته أثناء الحرب، فبدأن بتنظيف المنزل بمساعدة عدد من أبناء المنطقة، لتبدأ حياتها مجدداً، فقررت أن تعيش وتتناسى الأحداث، وعادت لتكمل هي وأختيها دراستهم بكل عزيمة وحرص، واندمل جزءٌ من الجرح فعاقبة الصبر الجميلُ جمالُ.

ها هي اليوم سعاد تدرس في كلية علمية معتبرة بعدما تفوقت وحصلت على معدلٍ عال، وأختيها تدرسان بتفوق، وتطمحان إلى دخول كلية الطب، أما زوجة الأب فهي الأم الراعية بحنانها لهؤلاء البنات. فما يثبت لنا قوة الإنسان في تغلبهِ على مشكلات الواقع، هو كيفية التعامل مع جميع الظروف مهما كانت حدتها وصعوبتها، ولنأخذ الدروس من التجارب بثقةٍ وأملٍ وتفاؤل، تاركين خلفنا كل ما يعيق تقدمنا نحو الأمام، ولنتخزل لأنفسنا خارطةً نسير وفقها للوصول إلى ما نريد الوصول إليه.

نعم.. كانت من أقسى التجارب إلا أنها كانت من أشد الدروس حكمة وقوة من واقنا الحقيقي، وليست روايةً محكيةً على لسانِ فُلان أو منقولةً عن صفحاتِ كتابٍ عاصر حرب الأربعين عام أنها من الموصل بفترتها الملتهبة، ها هي اليوم ألبستها الحرب حِلل الدمار، وفي كلِ زاويةٍ منها أكواماً تضم تحت أحجار ركامها جثثٌ لا تُعرف هوية أصحابها.. إلا أن لأهلها كبرياء الفرسان، محملين بذكرياتٍ لا يكادون يفرقون بين أبيضها وسوادها.