حرب بين اللغات بالمغرب.. من ينتصر؟

blogs اللغة الأمازيغية

لقد أضحى الإشكال اللغوي واحدا من الإشكالات التي تشغل بال الرأي العام المغربي، فبات اختيار لغة التدريس حديث لسان كل مغربي، فبين من يدعو إلى اعتماد الدارجة في التدريس على اعتبار أنها تمثل اللغة الأم لجل المغاربة، وبين من يرفض ذلك، وفي المقابل يدعو إلى التشبث باللغة العربية واللغة الأمازيغية اللتان تشكلان مكونات الهوية المغربية.

 

كما أن هناك من يعتمد نظرة أحادية في هذه المسألة فيدعو إلى رفض هذا التعدد اللغوي واعتماد لغة واحدة، وهي اللغة العربية، ومن ثم رفض عناصر التنوع اللغوي، وفي هذا خطأ لا يغتفر، لأن اعتماد هذا العنصر الواحد لن يفضي إلى أية آفاق إيجابية، بقدر ما سيجعل الهوة تتسع بين التقدم الذي يؤمن بالتعدد والتنوع وبين التخلف الذي يعتمد على نظرة أحادية، ذلك أن ما تسير إليه المجتمعات يسعى نحو تجاوز هذه النظرة الأحادية والإيمان بجمالية كافة اللغات، فلطالما كان التنوع جزءا من الطبيعة البشرية، ولما ارتبط هذا التنوع باللغة أيضا كان حريا أن يكون فيه إبداع، وأن تكون هناك رسالة وراء هذا التنوع مفادها الدعوة إلى الإيمان بالاختلاف، وتجاوز النظر إلى الآخر من زاوية اختلافه كيفما كانت.

 

بعد أن برز إلى الواجهة مخطط مفاده اعتماد الدارجة المغربية في التدريس، والدليل في ذلك هو ما تناقلته وسائل التواصل الاجتماعي من صور ملتقطة للمقررات الدراسية، تحتوي على نصوص وكلمات من الدارجة المغربية، أثار هذا المخطط استياء المغاربة، فبعد الفشل المتواصل لمنظومة التدريس في المغرب، انبثق هذا المخطط عله يكون حلا أوليا يجعل التعليم المغربي يرقى بشكل تدريجي، لكن صدور هذا المخطط لم يلقى الإقبال والقبول في أوساط الشعب، إذ عبر معظمهم عن رفضه، ثم الدعوة إلى التنديد بوقف هذا المخطط، ووقف صاحبه عن مزاولة مهامه، حيث ذهبوا إلى أن هذا المخطط قد يضرب المكون اللغوي للهوية المغربية، هذا المكون الذي طالما انبنى على اللغة العربية، قبل أن تولد اللغة الأمازيغية من تحت الأنقاض.

 

إذا كانت اللغة الأمازيغية هي اللغة الأصلية لشمال إفريقيا، فإنها لم تكن كذلك بعد الاستعمار، إذ سعت مجموعة من الآليات إلى القضاء عليها، والقضاء على كل من يدافع عنها
إعلان

بعد أن ساهمت ظروف معينة في استقلال المغرب، كان حريا أن تعود اللغة العربية لما لها من أسباب، فعادت وحملت بين طياتها حمولة إيديولوجية لا تليق بمقام تلك اللغة، وفي هذا الإطار حاولت مجموعة من الأليات والأسباب أن تجعل المغرب أحاديا على مستوى اللغة، ومن ثم رفض عناصر التنوع اللغوي، ومن خلال ذلك حاولت كل تلك الآليات القضاء على عناصر التنوع بما في ذلك لغة المستعمر واللغة الأصلية لشمال إفريقيا، وهكذا تم استخدام الدين لهذه الغاية، ولقد لقي ذلك نجاحا كبيرا، حتى بات المغرب معروفا بكونه وطنا عربيا، رغم أنه ليس كذلك.

 

إذا كانت اللغة الأمازيغية هي اللغة الأصلية لشمال إفريقيا، فإنها لم تكن كذلك بعد الاستعمار، إذ سعت مجموعة من الآليات إلى القضاء عليها، والقضاء على كل من يدافع عنها، فأضحت الأمازيغية آنذاك معرضة لخطر الانقراض، ولحسن الحظ، ظلت الأمازيغية تنمو في قلوب أبنائها، إلى أن ساهمت ظروف أخرى وضغوط أخرى إلى انتشال اللغة الأمازيغية من تحت الأنقاض، وهكذا بدأت الحياة تدب في هذه اللغة، إلى أن أصبحت رسمية في الدستور المغربي لسنة 2011، وأصبحنا أمام تعدد لغوي إيجابي، لطالما انتظرناه، رغم غياب القوانين التنظيمية للغة الأمازيغية.

 

رغم كل هذه المراسيم والتفاصيل، إلا أن هناك حربا باردة تدور بين أنصار اللغتين، فبين أنصار اللغة العربية الذين يدافعون عليها، ويرفضون عناصر التنوع اللغوي، وما يمكن أن يشكله من خطر في نظرهم على لغة القرآن، وبين أنصار اللغة الأمازيغية، والذي يرفضون بدورهم اللغة العربية، على اعتبار أن هذه اللغة كادت تقضي على لغتهم الأم، وبين هذا وذاك هناك تيار يتقبل هذا التنوع بكل سعة صدر، وينظر إليه بنظرة إيجابية، هذه النظرة ترى أن هذا التنوع هو فرصة للإبداع وللتعايش وتقبل الآخر، وتجاوز الاختلاف.

 

في خضم هذه التفاصيل برزت إلى الواجهة إشكالية لغة التدريس بعد المخطط الذي اقترحه نور الدين عيوش والمتعلق بإدخال الدارجة المغربية في لغة التدريس المغربية، فبتنا أمام لغة عربية ترفض التنوع وتخاف منه، ولغة أمازيغية بالكاد عادت إليها الحياة بعد الحرب التي أخضعتها إلى الاختباء، ودارجة مغربية يتحدث ويفهمها جل المغاربة، كما لا ننسى اللغات الأجنبية المعتمدة في التدريس وأبرزها الفرنسية والإنجليزية. هكذا نجد أنفسنا أمام إشكالية لغة التدريس، رغم أن الإشكال لم يكن مرتبطا باللغة، بقدر ما هو مرتبط بالمناهج والمحتوى، ذلك أن وجود محتوى عقلاني غني يمكن أن ينقل بأية لغة ممكنة، وفي غياب هذا المحتوى فإن استعمال أبسط اللغات لن يفي بالغرض، كما أن وجود مناهج فاشلة لن يفضي إلى أي نتيجة رغم الاعتماد على أقوى اللغات، والاعتماد على مناهج عقلانية ذات أبعاد إنسانية يمكن أن تعطي نتائج إيجابية ولو تمت بالدارجة المغربية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

كيف كانت تجربتكم معنا؟

إعلان