أبو الشهداء الحسين وصوته في عاشوراء!

blogs عباس العقاد

في كتاب الأستاذ عباس محمود العقاد عن أبي الشهداء الحسين بن علي -رضي الله تعالى عنه- نقد رائع بما احتواه من تحليل وتعليل لكل حادثةٍ من الأحداث التي مر بها الإمام الحسين، فيسير العقاد مع حياة الحسين خطوة خطوة، ولا مِرَاء في كل ما انتهى إليه العقاد لتحليل تلك الأحداث، بل كل ما ذهب إليه العقاد وما يتفق مع القيم الإنسانية والطبيعة البشرية.

الغريب في كتاب "أبو الشهداء" أن عباس العقاد عند قراءة كتبه دائمًا ما يثير العقلَ وحده، ويدهشك في جاذبيته للعقل وتحريكه إياه، وقَلَّمَا حرَّك القلب أو أثار العاطفة، لكن في كتابه "أبو الشهداء" كأنه قد أعَدَّ العُدَّة الكاملة من ألفاظ اللغة ومعانيها ليدخل بها حربًا لا هوادة فيها؛ لتحريك هذه العاطفة وإثارة تلك المشاعر، وكأنك تقرأ لكاتبٍ مُتَشَيِّع للحسين وآل بيته.

الحسين ويزيد خَصْمان متناقضان أشد ما يكون التناقض والاختلاف بين النفس البشرية، يقف الحسين -رضي الله تعالى عنه- على أفضل وخير ما في الإنسان، ويقف يزيد على أخَسّ وأقبح ما في الإنسان، وهما الخصمان القائمان ما قامت الحياة، مَن بقي وحارب مع الحسين كان ذلك مدعاةَ فخرٍ للقيم والأخلاق، ومَن حارب مع يزيد كان مدعاةً للمنفعة والأثرة وحب النفس.

الغضب كامنٌ فيهم تجاه يزيد منذ مقتل الحسين -رضي الله تعالى عنه-، وبمجرد رؤيتهم ليزيد أشعل هذا الغضب وتحَوَّل إلى ثورة

انتقد العقاد مَن لام الحسين بن علي -رضي الله تعالى عنه- للخروج لقتال جيش يزيد، وأنه كان متأكدًا أنه لن يجني من وراء تلك الحرب إلا الهزيمة، وإراقة دماء آل بيته، فالاختلاف بين الجيشين في العُدَّة والعَدَد كان واضحًا، والنتيجة كانت محسومةً. لَامَ العقاد هؤلاء النقاد واتهمهم بقِصَر النظر، وأنهم يحسبون الحرب والنصر والهزيمة بحسابات مادية متعجلة، فالحسين وإن مات ومات آل بيته إلا أنه قامت على راياته المنكسرة دولٌ وانقَضَّت أخرى، وذهب يزيد مع مَن ذهب من الجلادين والطغاة تكرهه القلوب وتلعنه الألسنة، حتى دولته التي حاربها الحسين لم تنقضِ سبعون سنة حتى سقطت برجالها وجيوشها، وبقي حب الناس للحسين -رضي الله تعالى عنه- يشهد عليه كل شاهد.

الناس تقول لنا: إن يزيدَ لم يبتهج بمقتل الحسين وتَرَحَّم عليه، وينسون أن عبيد الله بن زياد -قاتل الحسين- بقي أميرًا للعراق ببقاء يزيد رغم كُرْه الناس له وحقدهم عليه، فينقل لنا الذهبي أنه "قد جرت لعبيد الله خطوب، وأبغضه المسلمون لما فعل بالحسين -رضي الله تعالى عنه-، فلما جاء نعي يزيد، هرب بعد أن كاد يُؤْسَر"، ولم يكتفِ يزيد بذاك بل ولَّى سلم بن زياد خراسان، واستعمل أخاهم طلحة على سِجْسَتان.

يأتي الكلام عن غضب أهل المدينة وثورتهم بعد مقتل الحسين -رضي الله تعالى عنه- والتمثيل به، فيفند العقاد آراء مَن اعترض على ثورة أهل المدينة وغضب أهلها تفنيدًا لا يقبل الجدل ولا النقاش، قوم غضبوا من مقتل الحسين -رضي الله تعالى عنه- فأشعل الغضب جذوتهم، فخرجوا للغضب والثورة مهما كانت النتيجة ومهما كان المصير، ومهما كانوا في قلة قليلة أو كثرة كثيرة، المهم ألا يناموا ويتركوا يزيدَ خليفةً عليهم، وكان مصيرهم أن لقوا حتفهم يوم "الحرة" واستباح جيش يزيد المدينة ثلاثة أيام.

في وقعة "الحرة" يقول لنا رواة التاريخ: إن وفدًا من أشراف أهل المدينة قدم على يزيد في الشام على رأسهم عبدالله بن حنظلة بن عامر، فأكرمهم يزيد وأحسن إليهم، وأعطى عبدالله بن حنظلة مئة ألف درهم، وكان معه ثمانية من أولاده، فأعطى لكل واحد منهم عشرة آلاف درهم، فلما رجعوا إلى المدينة أظهروا لَعْنَ يزيد، ونقضوا بَيْعَتَه، وقام عبدالله بن حنظلة يقول: جئتكم من عند رجل لو لم أجد إلا بَنِيَّ هؤلاء لجاهدته بهم. قالوا: أعطاك وأكرمك. قال: والله ما أخذت منه إلا لأتَقَوَّى به، فأعلن الناس خَلْعَه والبيعةَ لعبدالله بن حنظلة.

undefined

ما الذي وجده هذا الوفد من أشراف أهل المدينة من يزيد في الشام ليخلعوه بمجرد وصولهم المدينة؟ ما هذا الغضب منهم تجاه يزيد ليصنعوا هذا الصنيع؟ إن الغضب كامنٌ فيهم تجاه يزيد منذ مقتل الحسين -رضي الله تعالى عنه-، وبمجرد رؤيتهم ليزيد أشعل هذا الغضب وتحَوَّل إلى ثورة. حقيقة النفس البشرية أنها من الممكن أن تغضب من شخصٍ، لكن بُعْدها عنه يجعل هذا الغضب كامنًا لا يتحرك، بل ويتلاشى مع الأيام ويختفي لأنها لا ترى هذا الشخص الذي تبغضه. إن عبد الله بن حنظلة بمجرد أن رأى يزيدَ قرر الانتقام، وكأنه أدرك أن الحسين -رضي الله تعالى عنه- أشرفُ من أن يُقتل على يد قاتليه، بل وأشرفُ من أن يُقتل مثل هذه القتلة على الإطلاق.

يذهب "يوليوس فلهوزن" في كتابه (تاريخ الدولة العربية) إلى أن الداعي لأهل المدينة في ثورتهم على يزيد بن معاوية هو شهوتهم وتطلعهم إلى المجد والسيادة، وهم لم يكونوا يريدون خَلْع يزيد لأنه كان يشرب الخمر ويلهو، بل لأنهم كانوا يأملون أن يتوصلوا إلى المنصب الذي كان يحتله يزيد، وأنهم ما أخذوا حكاية شرب الخمر واللهو الذي كان فيه يزيد إلا ستارًا يتحركون وراءه للوصول إلى أطماعهم السياسية، ومِنْ ثَمَّ كان على أهل الشام -وهم قد وصلوا إلى ما وصلوا إليه من الانفراد بالحكم- أن يستأصلوا حركة أهل المدينة مهما كانت النتائج.

إن ما وصل إليه "فلهوزون" نتيجة طبيعية لمؤرخ يتكلم عن مرحلة سياسية يمر بها مجتمع من المجتمعات، ولا يلتفت إلى كوامن النفوس بما تحمله من غضبٍ تجاه مقتل الحسين بن علي -رضي الله تعالى عنه- الذي مثَّل للمسلمين رمزًا دينيًّا وأخلاقيًّا انتهك يزيدُ حرمته.