نحن بحاجة إلى وطن وحياة لا أكثر!

من أين أبدأ؟ وكيف سأُدون "مأساتي" الشخصية دون أن أكون مُتحيّزاً لي؟ في البداية دعوني أُعرفكم عليّ، أنا شابٌ عربيّ- شرق أوسطيّ، في العشرينات من عمري، وطالبٌ جامعيّ. منذ ما لا يقلُّ عن عام بدأتُ أعيّ واقعي -السيء- بامتياز، وبدأ اليأس المُرتبط بالواقعية يتسللُ إليّ! لا أُبالغ في ذلك، ولكم حُرية تصديقي أو تكذيبي، ولكنني أستخدمُ الكتابة (التدوين) لتفريغ غضبي وسخطي من كل شيء تقريباً.

عربيُّ أنا، ولا أخجل من عروبتي إطلاقاً، ولكن مُؤخراً بدأتُ – رُغماً عني – أشعر بالنقص والحاجة للكثير. لا أدري، هل "لا وعيي" المليء بمشاهد تفوّق وتقدم الأمم الأخرى هو سبب شعوري بالنقص؟ أم هو الواقع وآهٍ من الواقع! واقعٌ لا ألومه أبداً، ولا أتهم أحدٌ سوايَّ! ماذا أحتاج؟ الأفضل أن يكون السؤال كالتالي ماذا لا أحتاج؟ أنا بحاجة وطن وحياة لا أكثر! سأتكلم بلسان اشباهي؛ وسأتجاوز الأنا لـ نحن، نحنُ بحاجة وطن لا يحكمه اللصوص ولا يقوده أوغاد السياسة، وطن لا يُحكم من طبقة مُتعالية لا تعرف سوى الفراش الوثير وتحيّات العبيد المُذعنين. شابٌ عربيٌ أنا، وأتوقُ لمستقبل مُشرق وأفضل، وأرغب كثيراً في التغيير للأفضل على الصعيد الشخصي والاجتماعي، واصطدم كل حين بجُدران قاسية توقظني من نومي وأحلامي، لواقعٍ فجّ وغير صالح إلّا للانتظار والترقب!

لا أدّعي المثالية، ولا أُطالب بمجتمع فاضل وبحاكم/رئيس/ملك ينام تحت ظلّ الأشجار ويجوع حتى تمتلأ بطون العامة، لا أرغب إطلاقاً – في هذه المرحلة على الأقل – في إفساح المجال للشباب في الحكم والمسؤولية، مَعاذ الله !أذكر جيداً مشاهد الثورة في تحرير القاهرة وكورنيش الإسكندرية، أمواجٌ بشريّة تهتف: "الشعب يُريد إسقاط النظام"، وأرى وأسمع وقلبي يخفق كيف تم إسقاط النظام بالفعل، كيف تنازل الديكتاتورعن الكرسي، كنتُ حينها طفلاً (مُراهقاً) لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، كنتُ طفلاً لا يعيّ تماماً مفهوم النكسة وبأن الاطمئنان – أحياناً – لا يجوز ببساطة! لأن صفعات الحياة لا ترحم المُطمئنون لها، الذين ظنّوا للحظة بأن الأمور تتجه بالشكل الصحيح!

نحن الجيل الذي وجد نفسه بين المطرقة والسنديان، بين ماضٍ مليء بالتنازلات والنكسات والنكبات وحاضر لا أحد ينكر مدى صعوباته وتحدياته!

لَكم أثّرت بي ثورة يناير في مصر، وقبلها إسقاط نظام زين العابدين في تونس، وامتداد الثورة لليبيا وسوريا واليمن و.. لكن فجأةً تغيّر كل شيء، والربيع لم يكن سوى خُدعة أو محض سراب توهمناه وبأن "الديكتاتور العربي تحديداً" أحقُّ من الشعوب في الحياة! فليمُت الجميع وليبقى الديكتاتور! شعوبٌ استعبدت وذاقت ويلات الحروب والأزمات، وما زالت لا تطمح سوى لحياة كريمة ووطن يحترمهم فقط! فهل المطلب مُستحيلٌ لهذه الدرجة؟ حزينٌ جداً، ولا أستغرب هذا الشعور باليأس العنيف الذي يسكنني، لم أعد طفلاً، كبرتُ لذلك صرتُ أكثر بلادةً وقبول للواقع ولو على مَضض، لكنني ما زلتُ أتساءل هل حقوق الشعوب صعبة ومستحيلة لهذه الدرجة؟ هل الحق في السَكن والأمن والتعليم والرعاية الصحيّة لا تعدو مكارم يتكرم بها القادة للشعوب؟ وعلى الشعوب شُكر بل وتبجيل القائد الكريم بسبب أعطياته تلك! هل حُرية الرأي والتعبير والاحتجاج السلمي، مُجرد وهمٌ جميل وأحرف لم تتجاوز صفحات الدساتير والكتب المدرسية؟

بالفعل نحن نُطالب بـتعليم مجاني ورعاية صحيّة للجميع وسكن آمن وأمن وطني وحُرية سياسية وعدالة اجتماعية، فهل هذه المطالب مُبالغٌ بها! تجاوزنا حدودنا عندما وقفنا في الساحات والشوارع هاتفين ضدّ مَن نهبّوا خيرات أوطاننا ومصّوا دمائنا حتى آخر رمق! متى يَعي الحُكام بأن للشعوب باعٌ طويل في إسقاط مَن صمّوا الأذان عن سماع مطالبهم وأعمّوا الأبصار عن رؤية الواقع المُتأزم؟ نحن الجيل الذي وجد نفسه بين المطرقة والسنديان، بين ماضٍ مليء بالتنازلات والنكسات والنكبات وحاضر لا أحد ينكر مدى صعوباته وتحدياته! وجدنا أنفسنا في مواجهة حتمية مع كل ما تم إنكاره والتغاضي عنه على مدى عقود مضت! وحان وقت المواجهة التي تبدو غير مُتكافئة الأطراف! وأعود لأقول بأن مطالبنا، جداً بسيطة وعادية، ففضلاً عن حقوقنا كبشر، لا نُطالب سوى بأوطان تحترم مواطنيها وحُكام لا يُعاملون شعوبهم كعبيد وأرقام كصفر على الشمال.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

وقع وزير الثقافة الفلسطيني إيهاب بسيسو -رئيس اللجنة الوطنية للقدس عاصمة دائمة للثقافة العربية- مع نظيره المغربي محمد الأعرج، اتفاقية توأمة مدينة القدس كعاصمة دائمة للثقافة العربية مع مدينة وجدة.

الأكثر قراءة